مصر بلدٌ عريق، يمتد تاريخها لآلاف السنين، وكان المصريون في أغلب العصور ينعمون بالخير والرخاء. كانت الأنهار تمتلئ بكل الجود، وكانت روافد النيل تمتد عبر الأراضي المصرية لتغمرها بالخير الوفير.
أما اليوم، فقد أصبح نهر النيل في مرحلة الهرم كما يطلق عليه المختصون في الجيومورفولوجيا، فقد أصبح نهرًا عجوزًا وفي أضعف حالاته، وانحصر في فرعين فقط، وتقلص الخير، وتحولت مساحات واسعة من الأراضي الخضراء إلى صحراء. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصبح الكابوس الذي يخشاه كل مصري أقرب من أي وقت مضى، وهو أن يصبح وجود نهر النيل نفسه في خطر، في ظل التحديات التي تواجهه.
والسؤال الآن... هل ننتظر تحقق هذا الخطر، أم ما زال هناك أمل؟
وجدت إجابة هذا السؤال وأنا أبحث في خرائط الأقمار الصناعية، بحكم تخصصي في مجال الاستشعار عن بُعد. كنت دائمًا أحاول أن أفك ألغاز نهر النيل، وأتتبع كل منبع وفرع له، حتى وجدت نورًا وقد يكون ما أراه أملًا حقيقيًا... أملًا قد يغير الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا، أملًا قد يغير خريطة مصر ويعيدها كما كانت وقت حضارتنا القديمة تنهمر بها الأنهار المتعددة.
من المعروف أن النيل الأزرق، الذي ينبع من الهضبة الإثيوبية، يمد مصر بما يقارب 80% من مياه النيل، وتعتمد تغذيته على أمطار يبلغ متوسطها نحو 800 ملم.
لكن في غرب السودان توجد منطقة جبلية يتساقط عليها أمطار تصل إلى نحو 1200 ملم، وتتحول هذه الكميات الكبيرة من هذه المياه إلى واحدة من أكبر المستنقعات الشاسعة في العالم، دون الاستفادة منها بالشكل الأمثل.
وهنا جاءت الفكرة...
ماذا لو أمكن توجيه جزء من هذه المياه عبر مجرى مائي يُنشأ لمسافة بعض الكيلومترات؟
قد تفتح هذه الفكرة بابًا لمشروع عملاق، فمصر تقع على مناسيب أقل من تلك المناطق، وهو ما قد يسمح للمياه بالانسياب عبر مسارات طبيعية بعد استكمال المجرى الهندسي. وحينها قد تمتد المياه إلى الصحراء الغربية، فستتحول إلى أراضٍ قابلة للتنمية والزراعة، بما يفتح آفاقًا جديدة لمستقبل مصر.
السؤال الأهم الذي يجب أن نجيب عليه هو: هل نهر الأمل حقيقي؟
الإجابة: نعم، توجد غرب السودان منطقة جبلية يتساقط عليها أمطار موسمية لا تقل عن 1200 ملم بل تزيد أحيانًا.
ولكن كما أقول دائمًا: لا يُبنى المستقبل والأمل فقط بالأحلام.
نعم حلمنا قابل للتحقيق، ولكنه يقترب من المهام الصعبة جدًا.
فأولًا: تلك المنطقة تبعد عن أدنى نقطة جنوبية لمصر عند ارتفاع 245 مترًا في جنوب مصر، تبعد حوالي 1260 كيلومترًا.
هذه ليست المشكلة الوحيدة، فمن الممكن بعد تحديد مسار للنهر -وخاصة أنه على ارتفاع 1700 متر ويحدث الانخفاض تدريجيًا إلى مصر- فلن يكون حفر المجرى أصعب المراحل.
بل أصعب المراحل أولًا هو ترويض المنبع؛ لأنه يهدر في تفرعات كثيرة، كثير منها يذهب للجنوب. ثانيًا: تواجهنا مشكلة النيليين، وهم شعوب يعيشون في منطقة المستنقعات التي تحدث كل موسم أمطار، هؤلاء لا يتعدى تعدادهم عشرات الآلاف، ولكنهم يعتمدون على المياه بشكل رئيسي رغم أنه في فترة الفيضانات تغرق بيوتهم وتهاجمهم الحيوانات المفترسة وتفتك بهم الأوبئة المميتة.
لذا لن يخلو تطبيق الحلم من جنة لنا في الصحراء الغربية، بل يجب أن يمتد ليشمل أشقاءنا في الجنوب وحقهم في حياة رغيدة مستقرة.
إننا في حاجة لترويض هذا النهر الذي سيفيض بالرخاء لنا ولكثير من أشقائنا الأفارقة، ولكن ترويضه سيكون أصعب من ترويض الوحوش الخيالية، لذا نحتاج جيشًا كبيرًا من أبطال في التخصصات المختلفة مثل:
هندسة المياه والموارد المائية (Hydraulic/Water Resources Engineering): لتحديد مسار المجرى، تصريف المياه، مناسيب الفيضان، وسعة المجرى.
الهندسة الجيولوجية والجيومورفولوجيا: لدراسة طبيعة الجبل والصخور والانهيارات والتعرية وتحديد المناطق الآمنة لمسار المجرى.
الهندسة المدنية – هندسة الطرق والمنشآت: لتصميم العبارات والجسور والمنشآت اللازمة على طول المجرى.
المساحة ونظم المعلومات الجغرافية GIS والاستشعار عن بُعد: لإنتاج نموذج الارتفاعات وتحليل التضاريس وتحديد اتجاهات جريان المياه.
الهندسة البيئية: لدراسة تأثير إنشاء أو تعديل المجرى على البيئة والمياه والنباتات والمناطق المحيطة.
الهندسة الجيوتقنية: لفحص استقرار المنحدرات والتربة وجوانب المجرى ومنع الانهيارات.
الهيدرولوجيا: لدراسة الأمطار والسيول وكميات المياه المتوقعة، خصوصًا في حالة السيول القادمة من الجبال.
إن هذا المشروع ليس سهلًا، وأنه يواجه تحديات هندسية وسياسية واقتصادية كبيرة، لكنه يظل حلمًا وأملًا قابلًا للتطبيق يستحق الدراسة، وفكرة تستحق أن ينظر إليها المتخصصون بعين البحث والعلم.
فكل مشروع عظيم بدأ يومًا بفكرة... وربما يكون هذا هو نهر الأمل الغربي الذي تبدأ من عنده نقطة الانطلاق لعصر الرغد والرخاء.