كان خط هاتفي بالنسبة إليّ أكثر من مجرد شريحة بلاستيكية صغيرة توضع في هاتف محمول. كان رفيق يومي، يعرف عني ما لا يعرفه كثيرون، يحمل مكالماتي ورسائلي، يفتح لي أبواب الخدمات، ويرتبط بحساباتي وتطبيقاتي ومحفظتي الإلكترونية، ويصاحبني في كل تفاصيل حياتي حتى أصبح من الصعب أن أتخيل يومًا من دونه. باختصار، كان المفترض أن يكون «حبيبي» الذي أثق به وأطمئن إليه، فإذا بي أكتشف في لحظة أن الحكاية لم تكن كما ظننت، وأن هذا الحبيب الذي ظننته وفيًّا ربما لم يكن حبيبي أصلًا!
هكذا يشعر المواطن عندما يكتشف أن هناك خطًا محمولًا مسجلًا باسمه بينما يؤكد أنه لم يستخرجه، ولم يحزه، ولا يعرف عنه شيئًا. فجأة يجد نفسه أمام علاقة لم يدخلها بإرادته، وخط لم يطلبه، ورقم لا يعرف صاحبه، ومع ذلك يحمل اسمه في سجلات شركة الاتصالات.
يا للغرابة!
أنا الذي كنت أتعامل مع رقم هاتفي باعتباره جزءًا من هويتي، وأضع عليه حساباتي وبياناتي وأثق في أنه تحت سيطرتي، أجد نفسي في النهاية أمام خط آخر يحمل اسمي ولا أعرف عنه شيئًا. كأنني استيقظت ذات صباح لأكتشف أن هناك شخصًا يعيش باسمي، ويستخدم بطاقة هويتي الرقمية دون أن أعرف.
وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن يغضب منها المواطن، لا أن يكتفي بالدهشة.
إذا كان الخط ليس لي، ولم أستخرجه، ولم أستعمله، فكيف أصبح باسمي؟ ومن الذي استخرجه؟ وكيف تم تسجيله؟ وأين كانت إجراءات التحقق؟ ومن المسؤول عن وصول بياناتي إلى خط لم أطلبه؟
ثم تأتي المفاجأة الأكثر إثارة للقلق: بدلًا من أن تكون البداية هي البحث عن كيفية حدوث الخطأ، قد يجد المواطن نفسه أمام إقرار مطلوب منه توقيعه للتنازل عن الخط.
وهنا أقول: لا يا من كنت حبيبي!
إذا كنت لم أستخرجك، فكيف أتنازل عنك؟ إذا كنت لست لي، فلماذا أقر بأنك لي حتى أتنازل عنك؟ هل يعقل أن أكتشف شخصًا ينتحل اسمي، ثم يُطلب مني أن أوقع ورقة أتعامل فيها معه باعتباره جزءًا من حياتي قبل أن أتخلص منه؟
هذه ليست قصة عاطفية بالطبع، لكنها تشبه الخيانة في أقسى صورها؛ لأن المواطن يكتشف أن الشيء الذي كان يفترض أن يحمي اتصالاته وبياناته يمكن أن يتحول، في ظروف معينة، إلى مصدر قلق ومشكلة لا يعرف كيف بدأت.
والسؤال الأهم ليس فقط: كيف نتخلص من الخط؟ السؤال: ماذا حدث قبل أن نكتشفه؟
إذا كان هناك خط مسجل باسم مواطن، وفي حيازة شخص آخر، فما الذي جرى باستخدامه طوال الفترة السابقة؟ وإذا تم استخدامه في مخالفة أو جريمة أو أي إجراء قانوني، فهل يكفي أن يأتي المواطن بعد اكتشافه ويوقع على إقرار بالتنازل عنه؟ وماذا عن الفترة السابقة على هذا التنازل؟
هنا تحديدًا لا يجوز أن يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة علامات الاستفهام.
المفترض أن شركات الاتصالات تملك السجلات والبيانات التي تستطيع من خلالها معرفة تاريخ استخراج الخط، ومكان تسجيله، والإجراءات التي تمت، والبيانات التي استخدمت، ومنفذ البيع الذي شهد العملية. إذن، عندما يقول المواطن «هذا الخط ليس لي»، ينبغي أن تبدأ عملية البحث من هذه النقطة.
أما أن يصبح المواطن هو الطرف الذي يُطلب منه أن يفسر وينفي ويثبت براءته، فهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة.
وإلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أقول: لا يكفي أن نسمع بيانات تطمئن الناس بأن الأمر تحت السيطرة. المواطن يريد أن يعرف ماذا يفعل عندما يكتشف خطًا باسمه لم يستخرجه، وما الذي يضمن أن إبلاغه عن الخط لن يتحول إلى إقرار بملكيته، ومن يحميه من أي تبعات مرتبطة باستخدام الخط قبل اكتشافه.
الدور الرقابي الحقيقي ليس في تهدئة المواطن بعد وقوع المشكلة، وإنما في منعه من الوصول إليها أصلًا، وفي ضمان وجود آلية واضحة تحميه عندما يقع الخلل.
وإلى شركات المحمول الأربع، فودافون، وأورانج، واتصالات، وWE: أنتم لا تتعاملون مع شرائح بلا قيمة. أنتم تتعاملون مع أسماء وبيانات وهويات رقمية لملايين المواطنين. والشريحة التي يحملها المواطن في هاتفه أصبحت مرتبطة بحياته كاملة تقريبًا، من حساباته إلى خدماته إلى معاملاته اليومية.
لذلك، عندما يظهر خط باسم مواطن لم يستخرجه، لا ينبغي أن تكون الإجابة مجرد «سنلغي الخط».
السؤال يجب أن يكون: كيف ظهر الخط؟
وهناك حكاية أخرى لا تقل إزعاجًا: كيف أصبحت أرقام المواطنين وأسماؤهم هدفًا لمئات المكالمات التسويقية؟ فلاتر، وعقارات، وشقق، وأندية، وخدمات لا تنتهي. والأسوأ أن المتصل يعرف أحيانًا اسم الشخص ورقمه، وكأنه يملك جزءًا من دفتر حياته.
فمن أين جاءت البيانات؟ هل أعطى المواطن موافقته؟ ومن الذي سمح بتداولها؟ وإذا لم يمنح الموافقة، فمن المسؤول؟
إن رقم الهاتف اليوم ليس مجرد رقم. إنه مفتاح إلى عالم كامل من الحسابات والبيانات والخدمات. ولذلك فإن حماية الرقم تعني حماية المواطن نفسه.
لهذا، فإنني لا أكتب هذه السطور دفاعًا عن «حبيب» خانني، بل دفاعًا عن مواطن اكتشف أن علاقته بخط هاتفه لم تكن بالبساطة التي تصورها.
كنت أظن أن الخط الذي أحمله معي كل يوم يعرفني ويحفظ أسراري ويحميني، فإذا بي أكتشف أن هناك خطًا آخر يحمل اسمي دون أن أعرفه.
لا يا من كنت حبيبي.. إذا كنت لست خطي، فلا تجعلوني أتحمل مسؤولية ما فعلته، وإذا كنت قد حملت اسمي دون علمي، فأخبروني كيف حدث ذلك ومن المسؤول عنه.
إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وشركات المحمول الأربع: المواطن لا يريد أكثر من حقه في أن يعرف، وأن يُحمى، وألا يتحول توقيعه إلى اعتراف بشيء لم يفعله.
فالحب الحقيقي بين المواطن وخط هاتفه أن يظل الخط وفيًّا لصاحبه، لا أن يتركه في النهاية يبحث عن محامٍ ليثبت أنه لم يكن حبيبًا لهذا الرقم من الأساس!
احموا أسماءنا، احموا بياناتنا، واحموا خطوطنا.. ولا تجعلوا المواطن يدفع ثمن علاقة لم يدخلها بإرادته.