حين نتأمل الحكايات الصغيرة التي يرويها الكبار في لحظات الصدق، ندرك أن بعضها لا يكون مجرد ذكريات شخصية، بل شهادات حية على عصر كامل. ومن بين تلك الحكايات ما رواه لي الأستاذ فهمي عمر عن زيارته الأخيرة لمبنى ماسبيرو، وتحديدًا ماذكره عن " الدور الرابع " الذي يضم استوديوهات الإذاعة.
قد تبدو القصة في ظاهرها بسيطة : رجل تمت دعوته إلى تكريم، ثم طلب أن يتجول في مكان عمله القديم. لكن ما حدث بعد ذلك يكشف عن معنى أعمق بكثير. سار الرجل في الممرات واضعًا يديه خلف ظهره، يلتفت يمينًا ويسارًا فلا يرى أحدًا. المكان الذي كان يومًا ما يعج بالمخرجين والممثلين والعازفين والمذيعين ونجوم الفن أصبح صامتًا إلى حد دفعه لأن يقول بمرارة : " مكان تقتل فيه القتيل " . لم يكن يقصد العبارة حرفيًا، وإنما أراد أن يصف فراغًا هائلًا لا يشبه ما عرفه يومًا.
في الحقيقة، لم يكن فهمي عمر يرثي مبنى، بل كان يرثي زمنًا. فالمباني لا تصنع التاريخ وحدها، وإنما يصنعه البشر الذين يتحركون داخلها. الجدران ذاتها ما زالت قائمة، والاستوديوهات ما زالت في أماكنها، لكن الروح التي كانت تملأ المكان لم تعد كما كانت. وهذا هو المعنى المؤلم في المشهد؛ أن ترى المكان نفسه بينما يغيب عنه الضجيج الجميل الذي منحه الحياة.
كان الدور الرابع بالنسبة لجيل كامل أشبه بورشة إبداع لا تهدأ. هناك تُكتب النصوص، وتُراجع البرامج، وتُسجل التمثيليات، وتُولد الأفكار التي كانت تصل إلى ملايين البيوت العربية. لم يكن مجرد طابق في مبنى حكومي، بل كان مساحة يتقاطع فيها الفن والثقافة والإعلام والمعرفة. ولذلك لم يكن غريبًا أن يشعر أحد أبنائه القدامى بالصدمة عندما وجده خاليًا من الحركة.
لكن القصة لا تدفعنا فقط إلى الحنين للماضي، بل إلى التساؤل عن الحاضر أيضًا.
هل المشكلة في المكان أم في قدرتنا على صناعة الحيوية داخله؟ وهل يكفي أن نبكي على المؤسسات القديمة، أم أن الأهم هو البحث عن طرق جديدة لإعادة الروح إليها؟
لقد شهد العالم كله تحولات ضخمة في الإعلام خلال العقود الأخيرة. تغيرت التكنولوجيا، وتبدلت وسائل التلقي، وانتقلت الجماهير إلى المنصات الرقمية. لكن المؤسسات العظيمة لا تموت لأنها تواجه التغيير، وإنما تضعف حين تتوقف عن التكيف معه. ولهذا فإن مشهد الدور الرابع ينبغي أن يُقرأ باعتباره دعوة للتفكير في المستقبل أكثر من كونه مجرد بكاء على الماضي.
أما فهمي عمر نفسه، فقد كان نموذجًا لجيل امتلك شخصية خاصة. كان شجاعًا وعنيدًا وصريحًا، وربما حاد الطبع أحيانًا، لكنه في الوقت ذاته كان يحمل تلك الرقة الإنسانية التي كثيرًا ما نجدها عند أبناء الصعيد؛ ملامح صارمة تخفي قلبًا دافئًا. ومن يعرف الرواد عن قرب يدرك أن الصورة العامة التي تظهر أمام الكاميرات لا تكشف دائمًا كل شيء. فخلف المناصب والنجاحات توجد حكايات إنسانية بسيطة، وصداقات، وأحلام، وخيبات، وذكريات لا يراها الجمهور.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه القصة هو ذلك الحزن المكتوم الذي ظهر في صوته. لم يكن حزنًا على نفسه، ولا على زمن شبابه الذي مضى، بل على مكان أحبه ورأى فيه أجمل سنوات العطاء. كان ينظر إلى الممرات الفارغة كما ينظر إنسان إلى بيت قديم عاش فيه أجمل أيام عمره ثم عاد إليه بعد سنوات طويلة فوجده صامتًا.
وربما لهذا السبب بقيت كلماته عالقة في الذاكرة. فهي تذكرنا بأن المؤسسات ليست مجرد خرسانة وأجهزة ومكاتب، وإنما ذاكرة بشرية متراكمة. وكلما فقدت مؤسسة أبناءها المخلصين، أو فقدت قدرتها على جذب جيل جديد يحمل الشعلة، بدأت مساحات الصمت تتسع فيها.
رحم الله الأستاذ فهمي عمر. لقد ترك وراءه أكثر من مسيرة إعلامية ناجحة؛ ترك شهادة إنسانية صادقة عن معنى الانتماء للمكان. وربما كانت رسالته الأخيرة، من حيث لا يقصد، أن الأوطان والمؤسسات لا تُقاس بما شُيد فيها من مبانٍ، بل بما ينبض داخلها من حياة. فإذا غابت الحياة، بقيت الجدران واقفة، لكن الروح تكون قد غادرت المكان منذ زمن.