فارس: الدولة تحتاج إلى رقابة قانونية على السوشيال ميديا وليست على العقول|خاص
أكدت نيفين فارس، عضو مجلس الشيوخ، أن فوضى وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مشكلة مرتبطة بسلوك المستخدمين، كما أن الشائعة لم تعد مجرد خبر كاذب يمكن أن ينتشر لساعات ثم يختفي، مشيرة إلى أن المجتمع أصبح أمام ظاهرة اجتماعية متكاملة أعادت تعريف مفاهيم الحقيقة والخصوصية والمسؤولية.
المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا وحدها
وقالت فارس في تصريحات خاصة لـ" نيوز رووم" إن وسائل التواصل الاجتماعي منحت كل شخص منبرًا مفتوحًا أمام ملايين المتلقين، دون أن تضمن بالضرورة امتلاكه الوعي الكافي بمسؤولية ما يقوله أو ينشره، لافتة إلى أن المفارقة تكمن في أن السوشيال ميديا منحت الإنسان مساحة غير مسبوقة للتعبير، لكنها في الوقت نفسه أزالت كثيرًا من الحواجز التي كانت تفصل بين الرأي والتشهير، وبين النقد والتحريض، وبين حرية التعبير والاعتداء على حقوق الآخرين.
وأضافت أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا وحدها، وإنما في الإنسان عندما يمتلك قدرة على التأثير أكبر من قدرته على تحمل مسؤولية هذا التأثير، موضحة أنه أصبح من الممكن أن تهدم جملة واحدة سمعة شخص، أو أن تتسبب شائعة في حالة من الذعر، أو أن تتحول صورة خاصة إلى مادة للتشهير، أو أن يقود محتوى مضلل إلى تشكيل موقف عام كامل قبل أن تتاح للحقيقة فرصة الظهور.
وتساءلت: «هل نحن أمام أزمة قانون أم أزمة وعي؟»، موضحة أنها ترى أن المجتمع أمام الأمرين معًا.
قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات
وأشارت عضو مجلس الشيوخ إلى أن القانون المصري يتضمن بالفعل نصوصًا تتعامل مع عدد من جرائم الإنترنت والتجاوزات الرقمية، وفي مقدمتها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إلى جانب القواعد المنظمة للإعلام والنشر وحماية الخصوصية، إلا أن تطور التكنولوجيا أصبح أسرع بكثير من قدرة التشريعات التقليدية على ملاحقة تفاصيلها.
وشددت على أن أي تشريع جديد لتنظيم الفضاء الرقمي يجب ألا يكون مجرد «قانون عقوبات للسوشيال ميديا»، معتبرة أن هذه ستكون معالجة سطحية لمشكلة عميقة، ومؤكدة أن المطلوب هو تشريع يعيد تعريف العلاقة بين الحرية والمسؤولية والخصوصية والمنصة والمستخدم والدولة.
وأكدت فارس أن الحرية في العالم الرقمي لا يمكن أن تعني أن يقول الإنسان ما يشاء عن الآخرين دون حساب، كما لا يجوز في المقابل أن تتحول مواجهة الفوضى إلى ذريعة لمراقبة الناس أو تقييد النقد أو إسكات الأصوات المختلفة.
وقالت إن القاعدة يجب أن تكون واضحة، وهي أن «ليس كل رأي مسيء جريمة، وليس كل جريمة يمكن أن تختبئ خلف كلمة رأي»، موضحة أن النقد حق، والاختلاف حق، والسؤال حق، وحتى الاعتراض الحاد جزء من المجال العام.
التشهير ليس رأيًا والابتزاز ليس حرية
وأضافت أن التشهير ليس رأيًا، والابتزاز ليس حرية، وانتهاك الخصوصية ليس تعبيرًا، والتحريض على العنف ليس اختلافًا، كما أن نشر الأكاذيب عمدًا بهدف الإضرار بالآخرين لا يمكن أن يحصل على حصانة لمجرد أنه نُشر على منصة اجتماعية.
وأكدت أن أهمية التشريع المرتقب تأتي من ضرورة وضع إطار واضح ينظم الفضاء الرقمي، مشيرة إلى أن التشريع الجيد يجب أن يحدد الجرائم الرقمية بصورة دقيقة، وأن يضع تعريفات واضحة للتشهير والابتزاز والتحريض وانتهاك الخصوصية واستغلال الأطفال ونشر البيانات الشخصية دون سند قانوني، إلى جانب وضع مسؤوليات واضحة على المستخدمين والمنصات والمؤثرين والجهات الإعلانية.
كما شددت على ضرورة أن يتعامل التشريع مع الحسابات الوهمية والشبكات المنظمة التي تستخدم المنصات الرقمية في التضليل أو الاحتيال أو الإضرار بالآخرين، مع ضرورة وجود ضوابط قضائية واضحة تمنع التوسع في استخدام هذه الأدوات ضد حرية التعبير.
وأوضحت فارس أن حماية الأطفال يجب أن تكون في مقدمة أي تشريع جديد، مشيرة إلى أن الطفل الذي يدخل إلى العالم الرقمي لا يمتلك القدرة الكافية على إدراك حجم المخاطر التي قد يتعرض لها.
ولفتت إلى أن التنمر الإلكتروني والاستغلال والابتزاز ونشر صور الأطفال ومعلوماتهم الخاصة ليست مجرد مخالفات سلوكية، وإنما اعتداءات قد تترك آثارًا طويلة المدى على شخصية الطفل ومستقبله.
تشديد العقوبات وحده لا يكفي
وفي الوقت نفسه، أكدت أن تشديد العقوبات وحده لا يكفي لمواجهة فوضى وسائل التواصل الاجتماعي، قائلة إن العقوبة جزء من الحل وليست الحل كله، لأن القانون يستطيع أن يخيف المخالف، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع إنسانًا مسؤولًا.
وشددت على ضرورة بناء وعي رقمي يبدأ من المدرسة والجامعة والأسرة، ويمتد إلى الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، مشيرة إلى أهمية تعليم الأجيال الجديدة أن إعادة النشر ليست فعلًا بريئًا دائمًا، وأن الضغط على زر المشاركة قد يجعل الإنسان شريكًا في نشر ضرر لا يعرف نتائجه.
كما دعت إلى وجود إعلام مهني لا يشارك في صناعة الترند لمجرد الترند، وإلى منصات تمتلك آليات أكثر وضوحًا وسرعة للتعامل مع المحتوى الإجرامي، مع وجود حق حقيقي للمستخدم في الاعتراض على قرارات الحذف أو التقييد.
وأكدت فارس أن المجتمع بحاجة إلى رقابة، ولكنها رقابة قانونية وليست رقابة على العقول، موضحة أن الرقابة يجب أن تستهدف الجريمة وليس الرأي، وأن تواجه التحريض وليس الاختلاف، وتحمي الخصوصية ولا تمنع النقد، وتحاصر التضليل المتعمد دون أن تجعل الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحدد ما يجب أن يعتقده المجتمع.
وأشارت إلى أن هذه النقطة تعكس فلسفة التشريع، موضحة أن الدولة التي تواجه فوضى السوشيال ميديا بالعقوبة وحدها قد تنجح في تقليل بعض التجاوزات، لكنها لن تغير الثقافة التي أنتجت هذه التجاوزات.
وأضافت أن الدولة التي تجمع بين التشريع والردع والوعي والحوكمة الرقمية هي التي تستطيع أن تبني فضاء إلكترونيًا أكثر أمانًا، دون أن تدفع ثمن ذلك من رصيد الحرية.
وأكدت أنها تؤيد تشديد العقوبات في الجرائم التي تستحق التشديد، خصوصًا الجرائم التي تستهدف الأطفال، والابتزاز، والتشهير المتعمد، وانتهاك الخصوصية، والتحريض على العنف، والجرائم المنظمة عبر الحسابات والشبكات الرقمية.
وشددت في الوقت نفسه على أن تشديد العقوبات يجب أن يكون متدرجًا ومتناسبًا مع حجم الجريمة والضرر والقصد والتكرار.
المجتمع دخل عصرًا أصبحت فيه التكنولوجيا أسرع من أخلاق
وقالت إن المشكلة الأكبر ربما تتمثل في أن المجتمع دخل عصرًا أصبحت فيه التكنولوجيا أسرع من أخلاق استخدامها، موضحة أن الإنسان أصبح يمتلك هاتفًا يستطيع من خلاله الوصول إلى ملايين البشر، لكن لم تُمنح له بالسرعة نفسها ثقافة التعامل مع هذه القوة.
وأكدت فارس أن السوشيال ميديا ليست مساحة خارج المجتمع، وإنما امتداد له، موضحة أنه إذا كان المجتمع يعاني من التعصب والتنمر والتشهير والاستقطاب، فسوف تنتقل هذه الأمراض إلى الفضاء الرقمي.
وأضافت أنه إذا تعلم المجتمع احترام الاختلاف والخصوصية والحق في التعبير، فسوف تتحول التكنولوجيا من أداة للفوضى إلى أداة للتقدم.
وشددت على أن المعركة الحقيقية ليست مع وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما مع فكرة أن الحرية يمكن أن تعيش بلا مسؤولية، موضحة أن القانون يضع الحدود، والرقابة تحمي الحدود، والعقوبة تردع من يتجاوزها، لكن الوعي وحده هو الذي يجعل الإنسان يختار ألا يتجاوزها من الأساس.
واختتمت نيفين فارس حديثها بالتأكيد على أن هذه هي المعادلة التي يجب أن يقوم عليها أي تشريع جديد، وهي: «حرية بلا فوضى.. رقابة بلا وصاية.. وعقوبة بلا انتقام».
وأكدت أن المجتمع لا يحتاج إلى فضاء رقمي أكثر خوفًا، بقدر ما يحتاج إلى فضاء رقمي أكثر مسؤولية، موضحة أن الحرية ليست أن يستطيع الإنسان قول كل شيء، وإنما الحرية الحقيقية أن يعرف أن قدرته على الكلام لا تعفيه من مسؤولية ما يقوله.