في الوقت الذي باتت فيه خدمات الاتصالات جزءاً لا يتجزأ من المعاملات اليومية تحول خط المحمول بالنسبة لبعض المواطنين من مجرد أداة تواصل إلى "قنبلة موقوتة" قد تلقي بهم خلف الأسوار دون ذنب .. وتابعنا جميعا في الآونة الأخيرة أكثر من واقعة مأساوية تتشابه تفاصيلها وتختلف أسماؤها ..مواطن يفاجأ بالقبض عليه ويجد نفسه مطالبا بإثبات براءته أمام الجهات القضائية في قضايا نصب إلكتروني أو احتيال أو تهديد ليتكشف له الواقع المرير.. فهناك شرائح محمول باسمه ورقمه القومي تستخدم في أنشطة إجرامية.
تطرح هذه الظاهرة علامات استفهام كبرى حول كيفية وصول بيانات المواطنين إلى أيدي شبكات غير شرعية تتاجر ببيانات المواطنين وتبين في معظم الحالات أن التسريب يتم عبر مسارات متعددة من أبرزها تجار التجزئة ومنافذ البيع غير المعتمدة ولجوء بعض الموزعين أو المندوبين غير التابعين للشركات بشكل مباشر إلى استغلال صور بطاقات الرقم القومي للعملاء التي يتم جمعها أثناء تقديم خدمات سريعة مثل تفعيل شريحة أو دفع فواتير أو شراء مستلزمات لتفعيل خطوط أخرى وبيعها لآخرين بأسعار مضاعفة.
أيضا هناك تطبيقات ومواقع توثيق البيانات المجهولة التي تستغل بطاقات المواطنين المسربة في عمليات إتمام مستهدفات المبيعاتTarget) ) للشركات دون دراية أصحابها. بالإضافة إلى ضعف آليات التحقق من الهوية فوريا في بعض منافذ البيع وعدم ربط التفعيل بشكل كامل ومباشر بالبصمة أو البصمة البيومترية المعقدة في كافة مراحل البيع.
التكييف القانوني للواقعة ينذر بتبعات خطيرة فوفقاً للقانون تعتبر البيانات المسجلة لدى شركات الاتصالات دليلاً أولياً يربط صاحب الرقم بالنشاط الصادر منه.. وعندما تستغل هذه الخطوط المجهولة في عمليات نصب مالي عبر المحافظ الإلكترونية أو التهديد أو النصب الفكري يقع العبء الأكبر على العميل المسجل اسمه رسمياً في السجلات ليتنقل بين أقسام الشرطة والنيابات لإثبات عدم ملكيته الحقيقية أو استخدامه لهذه الأرقام.
وقد شهدت الأروقة القضائية حالات لسجن مواطنين بالمؤبد في قضايا معقدة فقط لأن "الخط المستخدم في الجريمة" يحمل أسماءهم في قواعد بيانات الشركة وهو ما يشكل مأساة إنسانية واجتماعية حقيقية للمتضررين..
وأمام هذه المخاطر يستوجب على كل مواطن اتخاذ خطوات استباقية لحماية نفسه وبياناته الشخصية وأبرزها الاستعلام الدوري عن الأرقام المسجلة عن طريق استخدام التطبيقات الرسمية للجهات التنظيمية لتابعة للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر لمعرفة عدد الأرقام المسجلة بالرقم القومي لدى جميع شبكات المحمول.. وإلغاء الخطوط الغريبة فوراً في حال اكتشاف أي رقم غير معروف مسجل بالبطاقة الشخصية والتوجه فوراً لشركة الاتصالات لإلغاء ملكية الخط وقطع الخدمة عنه نهائياً.. بالإضافة إلى تقديم بلاغات رسمية بمباحث الاتصالات أو الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يفيد بتسجيل أرقام دون علم صاحبها لضمان عدم تحمله أي مسؤولية جنائية مستقبلا.. ويقودنا هذا إلى ضرورة الحذر عند تداول صور الرقم القومي وتجنب ترك صور البطاقات الشخصية لدى أكشاك البيع غير المعتمدة .
إن حماية المواطن من الوقوع في هذه الفخاخ تتطلب تغليظ العقوبات على منافذ البيع العشوائية وإلزام شركات المحمول بتطبيق أعلى معايير الأمان والتحقق الرقمي المباشر عند بيع وتفعيل أي شريحة جديدة فضلاً عن نشر الوعي المجتمعي بأهمية المتابعة الدورية للبيانات الشخصية. فالحرية والسلامة الشخصية لا ينبغي أن تكونا ثمن للقصور في حماية بيانات الاتصالات.
وهنا يظهر التساؤل الأخطر .. هل لشركات الاتصالات دور في بيع بيانات المواطنين ؟؟ من الناحية النظرية والعملية يمكن للشركات (أو لجهات وموظفين داخلها) أن تلعب دوراً في تسريب أو استغلال بيانات العملاء وتتنوع أشكال هذا الدور بين التقصير الإداري أو الجشع التجاري أو الثغرات الداخلية.. وقد لا يكون القرار صادرًا من إدارة الشركة لبيع البيانات بل يتم عبر سلوكيات فردية أو شبكات فساد داخلية نتيجة ضعف الرقابة على موظفي المبيعات والخدمة حيث يمتلك موظفو الفروع أو وكلاء المبيعات صلاحية الوصول إلى قواعد بيانات العملاء وصور بطاقاتهم الشخصية..
ومن الممكن أن يقوم بعض الموظفين ضعاف النفوس ببيع أرقام الهويات وصور البطاقات لشبكات إجرامية أو لتجار تجزئة مقابل مبالغ مالية أو لاستخدامها في تفعيل شرائح جديدة دون علم أصحابها.. أو كما قلنا لتحقيق تارجت مبيعات أعلى عن طريق تسجيل شرائح جديدة باسم عملاء قدامى موجودين بالفعل في قاعدة البيانات.. وتباع هذه الشرائح المفعلة في السوق السوداء لأشخاص يرغبون في استخدام الهاتف دون الكشف عن هويتهم.
والعامل الأهم أيضا هو الإهمال في حماية الأمن السيبراني عندما تبخل بعض الشركات في الاستثمار بأنظمة أمان سيبراني قوية لحماية قواعد بياناتها فتتعرض لعمليات اختراق وتسريب ضخمة ..وهذه البيانات تعرض للبيع بأسعار زهيدة على شبكات الدارك ويب وتصل في النهاية إلى أيدي العصابات التي تستخدمها في استخراج شرائح وإدارة أعمال نصب..
وسواء كان السبب جشعاً تجاريا أو ضغط مستهدفات أو فساد موظفين أو ضعفاً أمنياً تظل الشركات تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية الأولى عن حماية بيانات العملاء التي اؤتمنت عليها.