عاجل

المشكلة الآن ليست فى اختلافنا ،المشكلة أننا أصبحنا نختلف بالطريقة التي يريدها الآخرون.
يكفي أن تظهر قضية جديدة حتى تنقسم الناس سريعًا إلى معسكرين: هذا مع، وهذا ضد. ثم تبدأ المعركة المعتادة؛ اتهامات، سخرية، تخوين، شتائم، واجتزاء للكلام، بينما تختفي القضية نفسها وسط الضجيج.
والأخطر من كل ذلك أننا أحيانًا ندخل المعركة بحماس شديد، من دون أن نسأل السؤال البسيط: هل هذه المعركة تستحق أصلًا كل هذا الغضب؟

لقد أصبح من السهل جدًا أن تستفز مجتمعًا كاملًا. كلمة واحدة في توقيت مناسب، صورة مجتزأة، مقطع خارج سياقه، تصريح غامض أو قصة مصممة بعناية، ويمكن خلال ساعات أن يتحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة جماعية.

لقد تحول الرأي عند كثيرين من فكرة قابلة للنقاش إلى بطاقة انتماء. فإذا قلت رأيًا معينًا أصبحت تلقائيًا محسوبًا على فريق، وإذا انتقدت هذا الرأي أصبحت في نظر الفريق الآخر خصمًا. لا مساحة تقريبًا لأن تقول: «أنا أتفق مع هذه النقطة وأختلف مع الأخرى».

وكأن المطلوب منك أن تختار قبيلة فكرية، ثم تلتزم بكل ما تقوله القبيلة، حتى عندما تعرف في داخلك أن بعض ما تقوله خطأ.

وهنا تبدأ عملية الاستقطاب الحقيقي.فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يقتنع بفكرة خاطئة حتى يتم التأثير فيه. يكفي أحيانًا أن يتم دفعه إلى كراهية الفكرة المقابلة، أو كراهية أصحابها، بحيث يصبح مستعدًا لتصديق أي شيء يخدم موقفه.

وهذا هو الخطر الأكبر.أن يتحول الإنسان من شخص يبحث عن الحقيقة إلى شخص يبحث عن الأدلة التي تؤكد ما يعتقده أصلًا.

في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الغضب سلعة رابحة. المحتوى الذي يثير الصدمة ينتشر أسرع، والجملة التي تشعل معركة تحصل على اهتمام أكبر، ومن يعرف كيف يستفز الناس يستطيع أن يصنع من قضية صغيرة معركة ضخمة.

نحن نمنح هذا المحتوى قوته كل يوم عندما نشاركه غاضبين، ونعيد نشره بهدف الرد عليه، ونمنحه ساعات من النقاش، ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا انتشر؟

لقد أصبحنا أحيانًا نعمل مجانًا لصالح الرسالة التي نرفضها.

نحن لا نكتفي برؤية المحتوى الذي يستفزنا، بل نقوم بأنفسنا بتوزيعه على آلاف الأشخاص تحت شعار «شوفوا الناس بتقول إيه!».وهكذا يصبح الغضب وسيلة لنشر الغضب.

الأخطر أن الإنسان عندما يشعر بأن هويته أو جماعته مهددة، يصبح أقل استعدادًا لسماع أي شيء يخالف روايته. الخوف يغلق باب الأسئلة، والغضب يغلق باب التفكير، والانتماء الأعمى يغلق باب المراجعة.

ومن هنا يصبح الاختراق الفكري أسهل.ولا يعني ذلك بالضرورة وجود جهة واحدة تدير كل شيء. أحيانًا يكفي أن تكون هناك أطراف مختلفة تعرف نقاط ضعفنا جيدًا: ما الذي يخيفنا؟ ما الذي يغضبنا؟ ما الذي يجعلنا نشعر بالتفوق؟ وما الكلمات التي تجعلنا نهاجم بعضنا البعض؟

وعندما تُعرف هذه المفاتيح، يصبح تحريك الرأي العام أكثر سهولة.لكن المسؤولية ليست كلها على الآخرين.

علينا أن نعترف بأن لدينا مشكلة داخلية أيضًا: ضعف ثقافة الاختلاف، وسرعة الحكم، والرغبة في الحصول على إجابة فورية لكل سؤال، وتصديق ما يوافق قناعاتنا، ورفض ما يخالفها دون حتى محاولة التحقق منه.

نحن نحتاج إلى أن نتعلم من جديد فضيلة قديمة لكنها أصبحت نادرة: أن نقول «ربما أكون مخطئًا».

هذه الجملة ليست ضعفًا، بل قوة.أن تعترف بأنك لا تعرف، أقوى من أن تخترع إجابة. وأن تغير رأيك عندما يظهر دليل أقوى، ليس انهزامًا. وأن توافق شخصًا تختلف معه في عشر قضايا، لا يجعلك منتميًا إلى معسكره.

المجتمع الذي لا يستطيع أفراده أن يقولوا «لا أعرف» و«ربما أخطأت» و«أنت محق في هذه النقطة»، يصبح مجتمعًا سهل القيادة من خلال الخوف والغضب والانقسام.

ولهذا فإن أخطر معركة نخوضها اليوم ليست بين فريقين على مواقع التواصل الاجتماعي.المعركة الحقيقية داخل كل واحد منا.
هل أبحث عن الحقيقة فعلًا، أم أبحث فقط عما يثبت أنني على حق؟
هل أنا أقرأ لأفهم، أم أقرأ لأجد جملة أستخدمها ضد خصمي؟
هل أنا أرفض الفكرة لأنها خاطئة، أم أرفضها فقط لأن الشخص الذي قالها لا يعجبني؟
وهل أكره هذا الشخص فعلًا، أم أنني تعلمت أن أكرهه لأنني سمعت عنه ما يكفي حتى لم أعد أشعر بالحاجة إلى معرفته؟
ربما آن الأوان أن نتوقف عن السؤال: «أنت مع مين؟»
وأن نبدأ بالسؤال الأصعب: «أنت مقتنع بإيه؟ وليه؟»

فالانتماء بلا تفكير قد يحول الإنسان إلى تابع، والاختلاف بلا احترام يحول المجتمع إلى ساحة صراع، والغضب بلا وعي يجعلنا أدوات في يد من يجيد استخدامه.

لسنا بحاجة إلى مجتمع يتفق فيه الجميع.نحن بحاجة إلى مجتمع يستطيع أن يختلف فيه الجميع دون أن يكره بعضهم بعضًا.
لأن المجتمع الذي يختلف أفراده بعقولهم يمكن أن يتقدم.
أما المجتمع الذي يختلف أفراده بغضبهم، فيمكن لأي طرف أن يدفعه حيث يريد.

وهنا تحديدًا يجب أن نفهم أن أخطر اختراق ليس أن يغير أحدهم أفكارنا.

الأخطر أن ينجح في جعلنا نكره بعضنا البعض، حتى ننسى أن لنا عقلًا مستقلًا، وأن الحقيقة ليست ملكًا لفريق، وأن الاختلاف ليس إعلان حرب

تم نسخ الرابط