هل يصمد اتفاق غزة بعد إعلان رفض نتنياهو لوثيقة مجلس السلام؟
أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسميا رفضه لوثيقة مجلس السلام بشأن قطاع غزة، بجانب إقامة دولة فلسطينية سواء في القطاع أو الضفة الغربية، في موقف يفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار ومدى قدرته على الصمود في ظل التعنت الإسرائيلي ومحاولة لعرقلة جهود خفض التصعيد في غزة.
وفي هذا الصدد قالت الدكتورة مونيكا وليم، الباحثة في العلاقات الدولية، إن الأزمة الحالية والتصريحات الأخيرة لبنيامين نتنياهو بشأن اتفاق غزة لم تعد تندرج في إطار الخلافات التفصيلية المتعلقة ببنود التنفيذ، وإنما أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرة الاتفاق على الصمود أمام التباين بين الرؤية الأمريكية والحسابات الإسرائيلية ومواقف الفصائل الفلسطينية.
وأوضحت الدكتورة مونيكا وليم في تصريح خاص لموقع نيوز رووم، أن إعلان نتنياهو رفض وثيقة مجلس السلام والتأكيد على عدم إقامة دولة فلسطينية يضع أحد أهم الأسس السياسية لأي تسوية مستقبلية أمام تحد مباشر، خاصة أن ترتيبات نزع السلاح لا يمكن فصلها عن التساؤلات المتعلقة بمستقبل غزة السياسي بعد انتهاء الحرب، وما يرتبط بذلك من حسابات اليوم التالي.

وأضافت أن الحديث عن انهيار الاتفاق بشكل فوري قد يكون سابقا لأوانه، مشيرة إلى أن التطور الأهم في المرحلة الراهنة يتمثل في نجاح الدور المصري، بالتنسيق مع الأطراف العربية، في تحقيق اختراق مهم من خلال إقناع الفصائل بالموافقة على مبدأ نزع السلاح.
وأكدت أن هذا التطور يحمل أهمية كبيرة، لأنه يحرم إسرائيل من إحدى أبرز الذرائع التي يمكن استخدامها لإفشال الاتفاق، والمتمثلة في القول إن حركة حماس ترفض التخلي عن السلاح، وبالتالي لا يوجد شريك فلسطيني يمكن التعامل معه.
وقالت إن موافقة الفصائل على مبدأ نزع السلاح تتحول في هذه الحالة إلى ورقة سياسية في يد الوسطاء، لأنها تنقل الكرة إلى الملعب الإسرائيلي، موضحة أنه إذا كانت الفصائل قد أبدت استعدادا للانخراط في مسار نزع السلاح، فإن التساؤل يصبح مرتبطا بالمبررات التي يمكن أن تستند إليها إسرائيل لاستمرار العمليات العسكرية أو رفض الانسحاب.
وأشارت وليم إلى أن أهمية هذا المسار تتزايد في ظل المؤشرات الصادرة من داخل إسرائيل، ومن بينها قرار الحكومة تخصيص مليار شيكل، أي ما يقارب 333 مليون دولار، لشراء معدات دفاعية بصورة عاجلة، رغم الضغوط التي تواجه الموازنة الإسرائيلية بعد حرب متعددة الجبهات بدأت منذ أكتوبر 2023.
وأوضحت أن هذا القرار لا يعني بالضرورة أن إسرائيل تستعد لإفشال الاتفاق، لكنه يعكس في المقابل استمرار منطق الاستعداد العسكري والطوارئ، ويشير إلى أن المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية لا تزال تتعامل مع البيئة الإقليمية باعتبارها قابلة للتصعيد، وأن الانتقال من حالة الحرب إلى ترتيبات ما بعد الحرب لم يحسم حتى الآن.
وأضافت أن المعضلة الأساسية التي يواجهها نتنياهو تتمثل في وجود ضغوط متعارضة، فمن جهة هناك ضغط أمريكي ورغبة لدى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تحويل الاتفاق إلى إنجاز سياسي، خاصة في ظل تعثر ملفات أخرى في المنطقة، ومن جهة أخرى يواجه نتنياهو حسابات داخلية وانتخابات وضغوطا من اليمين الإسرائيلي، تجعل الانسحاب من غزة أمرا بالغ التكلفة على المستوى السياسي.
ورجحت وليم أن يحاول نتنياهو الإبقاء على الاتفاق من الناحية الشكلية، مع إبطاء الانتقال إلى مراحله الأكثر حساسية، ولا سيما ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الحكم في قطاع غزة.

وفي المقابل، قالت إن حركة حماس تواجه معادلة مختلفة، حيث إن موافقتها على نزع السلاح لا تعني بالضرورة قبولها بالتنازل عن جميع أوراقها دون مقابل، ولذلك سيظل الانسحاب الإسرائيلي الواضح والضمانات السياسية والأمنية من العناصر الأساسية لاستمرار التفاهم.
وأكدت أن هذا الواقع يعزز أهمية الدور المصري والعربي، مشيرة إلى أن مصر على وجه الخصوص لا تؤدي دور الوسيط فقط، وإنما تسعى إلى بناء صيغة تمنع انهيار التفاهم من خلال ربط التزامات الأطراف ببعضها البعض.
وترى وليم أن مستقبل الاتفاق سيتحدد بدرجة كبيرة بقدرة الوسطاء على منع الخلاف السياسي بشأن إقامة الدولة الفلسطينية من التحول إلى ذريعة لإسقاط الترتيبات الأمنية.
د. مونيكا وليم: رفض نتنياهو لإقامة دولة فلسطينية يمثل عقبة استراتيجية
وأضافت أن رفض نتنياهو لإقامة دولة فلسطينية يمثل عقبة استراتيجية، لكنه لا يعني بالضرورة رفض الاتفاق بالكامل، موضحة أن الرهان خلال المرحلة المقبلة سيكون على قدرة الوسطاء، بدعم أمريكي، على الحفاظ على مسار نزع السلاح والانسحاب التدريجي، مع فصل هذه المرحلة عن الملفات السياسية النهائية.
واعتبرت أن نجاح هذا المسار قد يسمح للاتفاق بالصمود رغم هشاشته، بينما سيصبح الاتفاق أمام خطر الانهيار إذا تحولت قضية الدولة الفلسطينية إلى شرط إسرائيلي لتعطيل جميع مراحله، مؤكدة أن الانهيار في هذه الحالة لن يكون ناتجا عن رفض فلسطيني، وإنما عن فجوة سياسية داخل المعسكر الإسرائيلي نفسه.



