لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مجرد قنوات لنقل المعلومات أو أدوات للتسلية الرقمية بل تحولت إلى بنية تحتية لإدارة الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام العابر للحدود.
إن هذا التطور الضخم في ثورة الذكاء الاصطناعي يضع المجتمعات والأنظمة الإعلامية الوطنية أمام تحدي استراتيجي يتعلق بمسألة السيادة الرقمية.
تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية على معالجة ملايين السلوكيات اليومية للمستخدمين للتنبؤ بتفضيلاتهم النفسية والفكرية ، هذا النمط التنبؤي لا يقتصر على عرض الإعلانات التجارية، بل يتعداه إلى: تغذية الاستقطاب التى تتمثل في تغذية المستخدم بالمعلومات التي تؤكد انحيازاته المسبقة.لزيادة معدلات البقاء على المنصات ، إلى جانب عزل السياق الوطني من خلال إحلال المحتوى العابر للحدود محل القضايا التنموية والمحلية ذات الأولوية، مما يؤدي إلى تجزئة الوعي العام ، إلى جانب صناعة الواقع البديل التى تفرض أشكال محددة من الثقافة والاستهلاك من دورها تعيد تشكيل الهوية المجتمعية خارج أطر المؤسسات الوطنية.
النقطة الثانية هنا هى الذكاء الاصطناعي التوليدي ومخاطر التضليل الممنهج، ويشكل هذا الجيل الجديد من أدوات التزييف العميق والنصوص المصنوعة آليا نقلة نوعية في طبيعة الشائعات والأخبار المغلوطة حيث لم يعد التضليل الإعلامي يعتمد على تحريف الخبر بل على تخليق الحدث كليا بصوت وصورة معالجة تقنيا يصعب كشفها بالوسائل التقليدية.
هذا التطور يفرض خطورة مباشرة على المصداقية المؤسسية ، من خلال سهولة فبركة تصريحات أو وثائق ونسبتها لمؤسسات رسمية ، ويشكل خطرا على الأمن القومي من خلال استخدام المحتوى المصنوع في إدارة الأزمات والمراحل الحساسة لزعزعة الثقة بين المواطن مؤسسات دولته.
إن مواجهة هذه التحولات الخطيرة لا تتم عبر آليات الحجب أو الرفض التقني، وإنما عبر استراتيجية متكاملة تتضمن ثلاثة أبعاد أساسية أولا : توطين البنية التحتية للبيانات حيث تقتضي السيادة الرقمية العمل على إنشاء مراكز بيانات سحابية محددة جغرافيا وتطوير نماذج لغوية وتكنولوجية محلية تعكس الثقافة والمفاهيم الوطنية، لتقليل الاعتماد الكلي على الخوارزميات الغربية أو المستوردة.
تنظيم البيئة التشريعية والأخلاقية، من خلال إقحام أطر تنظيمية ملزمة تتسق مع المعايير الدولية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تضمن شفافية الخوارزميات، وتجبر الشركات التكنولوجية العابرة للقارات على الامتثال للقوانين الوطنية وإزالة المحتوى المضلل بنفس سرعة انتشاره.
والنقطة الثالثة والأهم هي استعادة الإعلام المؤسسي لمهام التوثيق وهنا لابد ان تتحول الصحافة الرصينة والمؤسسات الصحفية العريقة في هذا العصر من مجرد ناقل للخبر إلى سلطة للتحقق والتدقيق ، إن القيمة المضافة للإعلام الرصين اليوم تتلخص في قدرته على تقديم التحليل العميق والتأكد من موثوقية المصادر وسط طوفان المعطيات الزائفة.
حماية الوعي الجمعي في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت هي ركيزة من ركائز الأمن القومي ، وإن حسم معركة الوعي القادمة يتطلب امتلاك أدوات عصر التكنولوجيا، وتحويل الإعلام المؤسسي إلى مركز بث استراتيجي يمتلك التقنية والمصداقية معا.