عاجل

عند أوّل خيطٍ من ضوء الفجر، فوق مياه بركةٍ راكدة على حافة النيل، يحدث شيءٌ صغير وعظيم في آنٍ واحد: زهرةٌ زرقاء ترتفع من تحت سطح الماء، تفتح بتلاتها ببطءٍ للشمس، وتنشر رائحة زكية ناعمة. وحين تميل الشمس إلى المغيب، تُطبِق الزهرة أوراقها وتغوص من جديد في العتمة.

رأى المصري القديم هذا المشهد كل صباح، وبدا له وكأنه صورةٌ متكررة لبداية الخلق. فقبل كل شيء، لم يكن هناك سوى محيطٌ أزليّ بلا ضوء ولا زمن ولا شكل، ارتفعت من مائه زهرة لوتس، تفتّحت بتلاتها ببطء، وخرجت من قلبها الشمس في يومها الأول.

الصورة عبقريّة في بساطتها، فكل شروقٍ هو الخلق يتكرّر، وكل زهرة تفتح بتلاتها هي شهادةٌ حيّة على أن النور ينتصر على العدم مرةً كل أربعٍ وعشرين ساعة. ومن هنا صار اللوتس رمز الميلاد من العدم والبعث بعد الموت والتجدّد الدوري للحياة.

ولكن لا بدّ من اعترافٍ نباتيّ صغير، ان ما نراه في المناظر، وما اعتدنا أن نسميه اللوتس، هو في الحقيقة نيلوفر مائي. أما اسم اللوتس فقد جاء من التسمية اليونانية، ثم استقر في الاستخدام الحديث حتى أصبح الاسم الأشهر لهذه الزهور المصرية القديمة.

عرفت مصر القديمة نوعين من النيلوفر؛ النيلوفر الأزرق  — بتلاته مدبّبة، لونه أزرق سماوي يميل إلى البنفسجي، وقلبه ذهبي كقرص الشمس. تتفتّح مع الضحى وتنغلق بعد الظهيرة. هذه هي نجمة القصة، وأكثر الزهور حضورًا في الفن المصري. النوع الثاني هو النيلوفر الأبيض — يتميز بأزهاره البيضاء الكبيرة وتكوينه الأكثر امتلاءً واستدارة. وترتبط دورة تفتح أزهاره أيضًا بتعاقب الليل والنهار، وإن كانت أنماط التفتح تختلف باختلاف الظروف البيئية.

أما اللوتس الحقيقي، المعروف اليوم باللوتس الهندي، فهو نبات مختلف تمامًا عن النيلوفر، وينتمي إلى جنس آخر. وهو وافدٌ متأخر لم يصل وادي النيل إلا في العصر المتأخر تقريبًا (بعد القرن السادس قبل الميلاد)، وازدهر تصويره في العصرين البطلمي والروماني. 

كان الاسم المصري القديم للزهرة سِشِن (sšn) ، ربما سافرت الكلمة عبر اللغات السامية لتصبح شوشانا في العبرية، ثم تطوّر إلى سوسن في العربية، ويرجح ان منها جاء اسم سوزان الذي يحمله ملايين النساء حول العالم اليوم. وهكذا، بطريقةٍ مدهشة، بقي صدى اسم مصري قديم حاضرًا في أسماءٍ ما زلنا نستخدمها حتى اليوم.

إن كانت الزهرة تُولد من الماء المظلم كل صباح، فما أنسبها رفيقًا لمن يعبر إلى العالم الآخر. فكانت زهرة النيلوفر، كاملةً أو في هيئة برعم، من بين الزهور التي دخلت في تصميم الأكاليل الجنائزية الموضوعة على المومياوات الملكية، وقد عُثر على نماذج منها ضمن محتويات خبيئة الدير البحري. أما توت عنخ آمون، فعُثر في مقبرته على إكليل جنائزي من الزهور، ارتبط بتجهيزات دفنه، وهو معروض حاليًا في المتحف المصري الكبير. ومن كنوز مقبرته أيضًا، تمثال خشبي ملوّن لرأس الملك الشاب ينبثق من زهرة نيلوفر زرقاء، في مشهد يرمز الى ان الملك نفسه هو الشمس الوليدة التي تشرق من جديد.

كانت الزهرة في الحقيقة جزءًا من الحياة اليومية بكل تفاصيلها. فقد استُخرج من النيلوفر الأزرق، برائحته الزكية النفاذة، زيتٌ عطري نفيس دخل في تركيب المراهم العطرية، وكان من أرقى ما يُهدى. وكان النساء بأثوابهن الشفافة وشعورهن المضفورة، يمسكن زهرة لوتس ويقرّبنها من أنوفهن في الولائم والحفلات وكأنهم يستنشقون معها شيئًا من جمال الطبيعة. اما في الطب فتذكر بردية إيبرس الطبية ان النيلوفر كان ضمن مكوّنات وصفاتٍ السيطرة على الألم. حتى الحساب لم يَخْلُ من حضوره؛ فقد اتخذ المصري القديم شكل زهرة النيلوفر الأزرق ليكون العلامة الهيروغليفية للعدد 1000 (خا).

تجاوز اللوتس حدود النبات نفسه ليصبح مصدرًا للإلهام في كل ما لمسته اليد المصرية؛ فظهرت كؤوس وأوعية مصنوعة على هيئة الزهرة المتفتّحة، وأطواق وأمشاط تستلهم شكلها، ومرايا صُنعت مقابضها في هيئة ساق تحمل زهرة تتوّج قرصها المصقول، كما زُيّنت الحلي الذهبية بزخارف اللوتس وتطعيمات اللازورد.

وفي مصر الحديثة، عادت الزهرة إلى الواجهة بوعيٍ كامل؛ فبرج القاهرة يقف على جزيرة الزمالك مستلهمًا شكل زهرة اللوتس المصرية، في واحدة من أشهر المحاولات الحديثة لاستدعاء رمز من رموز الحضارة المصرية القديمة إلى العمارة المعاصرة. وتكررت صورة اللوتس في الشعارات والعملات وأعمال النحت والميادين، وحملت اسمها مشروعات ومدن وفنادق، حتى تحولت الزهرة القديمة إلى جزء من الذاكرة البصرية لمصر الحديثة.

في زحمة ما تركته مصر القديمة — الأهرامات التي تتحدّى الحساب، والمعابد التي تبتلع النظر، والذهب الذي يغالب الزمن — نظر المصري القديم إلى زهرةٍ تغوص كل مساء في الماء، ثم تعود كل صباح لتتفتّح للنور، فاستخرج منها فلسفةً كاملة عن الوجود: أن الغياب ليس نهاية، وأن ما ينحسر اليوم قد يعود إلى الظهور من جديد.

خمسة آلاف عام، وما زالت الزهرة تفتح بتلاتها على صفحة الماء كل فجر، تكرّر الدرس نفسه لمن يملك أن ينتبه.

تم نسخ الرابط