يُروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأل رجلًا أثنى على آخر: هل سافرت معه؟ هل عاملته بالدينار والدرهم؟ هل جاورته؟ فلما أجاب الرجل بالنفي، قال له: إذن فأنت لا تعرفه.
وكأن عمرًا أراد أن يرسخ قاعدة تظل صحيحة مع مرور الزمان، وهي أن حقيقة الإنسان لا تُعرف بما يقال عنه، ولا بما يحمله من لقب، وإنما بما تكشفه المواقف والتجارب.
بعد قرون طويلة لا تزال هذه الحكمة حاضرة كلما كشفت لنا الأيام كيف يمكن للقب أن يسبق الحقيقة. ولعل واقعة القاضي المزيف التي شغلت الرأي العام، ليس بسبب غرابة تفاصيلها فحسب، وإنما لأنها أعادت طرح سؤال يستحق التأمل: كيف يتمكن شخص من انتحال صفة بهذه الحساسية والاستمرار فيها لسنوات من دون أن يثير الشك؟
للوهلة الأولى قد يبدو أن الإجابة تكمن في براعة المحتال فحسب. لكن التوقف هنا يختزل المشكلة في شخص واحد، بينما الحقيقة أن المسألة أوسع من ذلك.
في كثير من الأحيان لا ينتزع المحتال الثقة بالقوة، بل تُمنح له بسهولة. يكفي أن يتحدث بثقة، أن يرتدي المظهر المناسب، أن يحيط نفسه بهالة من المكانة، حتى يتعامل معه الآخرون باعتباره صاحب صفة حقيقية، من دون أن يخطر ببالهم سؤال بسيط: هل هذا حقيقي؟
وهنا لا يتحول اللقب إلى مجرد تعريف، بل إلى حاجز يمنع السؤال.
من الناحية القانونية، لا خلاف على أن انتحال الصفة جريمة تستوجب المساءلة. لكن هل يكفي القانون وحده؟ على الأرجح لا. فالقانون يتدخل بعد وقوع الضرر، أما الوقاية الحقيقية فتبدأ قبل ذلك، من ثقافة مجتمعية لا تعتبر السؤال وقاحة ولا تعتبر التحقق سوء ظن، بل تراه سلوكًا طبيعيًا ومسؤولًا.
وليس المطلوب أن نشك في الجميع، فذلك يهدم الثقة التي يقوم عليها أي مجتمع، وإنما المطلوب ببساطة ألا نسلم بصحة الألقاب والادعاءات دون تثبت.
ربما لم تكشف هذه الواقعة عن فرد واحد فقط، بل عن عادة متجذرة فينا: الميل إلى الانبهار قبل التفكير. وإذا كان لهذه القصة درس، فهو أن الحقيقة لا تحمي نفسها بنفسها، بل نحن من نحميها حين نمنحها قيمة أعلى من اللقب.