رجل استشار "شات جي بي تي" انتهى به المطاف بمستشفى الأمراض العقلية.. ما القصة؟
استشار رجل ستيني ذكاء اصطناعي، بحثًا عن بدائل صحية لملح الطعام، لكن الأمر انتهى به في المستشفى يعاني من الهلاوس والأوهام، كان المريض رجل يبلغ من العمر 60 عامًا مقيم في مدينة سياتل الأمريكية.
وكشفت مجلة لايف ساينس العلمية المتخصصة، أنه عانى المريض من حالة شديدة من الاضطراب والارتياب (البارانويا)، إلى جانب هلاوس سمعية والبصرية، ورغم شعوره بالعطش الشديد، إلا أنه كان يمتنع عن شرب المياه التي يُقدمها له الآخرون خوفًا من تسميمها.
توجه الرجل إلى قسم الطوارئ لشعوره بالقلق من أن يكون جاره قد وضع له السم، وأجرى الأطباء الفحوصات الطبية الأولية والفحص العصبي، والتي لم تظهر أي علامات قلق فورية، غير أن المعادلة تغيرت كليًا عندما أظهرت تحاليل الدم ارتفاعًا غير طبيعي في مستويات أيونات الكلوريد.
ورجحت هذه النتيجة أول الأمر إصابته بـ "فرط كلوريد الدم"، وهي حالة تحدث عادةً نتيجة الجفاف أو الاستهلاك المفرط للأملاح، ولكن بفرز وتدقيق تركيز الأيونات الأخرى في دمه، أدرك الأطباء أن هذا التشخيص المبدئي كان خاطئًا.
يعادل الجسم في الحالات التقليدية لفرط كلوريد الدم، هذا الارتفاع في أيونات الكلوريد ذات الشحنة السالبة عبر استهلاك أيونات البيكربونات (سالبة الشحنة أيضًا)، وذلك للحفاظ على التوازن الكهربائي في الدم، إلا أن الفحوصات كشفت أن دم المريض كان يضم شحنة سالبة زائدة عن الحد؛ مما يعني تراكم مادة سامة ذات شحنة سالبة بسرعة تفوق قدرة الجسم على إحداث التوازن المطلوب.
التشخيص: خطأ مخبري يربك الأطباء
تواصل الأطباء مع مركز سموم متخصص، ليتوصلوا إلى أن المريض يعاني من حالة تُعرف بـ "فرط كلوريد الدم الكاذب"؛ وهي حالة يكتشف فيها الفحص المخبري للكلوريد أيونًا آخر سالب الشحنة بالخطأ، مما يُظهر مستويات الكلوريد أعلى من حقيقتها ويخفي السبب المباشر للمشكلة.
تعد الجرعات العالية من أدوية "الساليسيلات" (مثل الأسبيرين) السبب الشائع لهذه الظاهرة، لكن التحاليل أثبتت خلو دم المريض من هذا المسكن.
انتقل الاتهام بعد ذلك إلى متهم أكثر غرابة: مادة البروميد السامة (وهي الشكل المتأين لعنصر البروم). يقع البروم أسفل الكلور مباشرة في الجدول الدوري، مما يعني تشابههما في الخصائص الكيميائية والحجم والشحنة، وهو ما أدى سابقًا إلى تداخل البروميد مع تحاليل الكلوريد في حالات تسُجيل تاريخية.
وعندما قاس الأطباء مستويات البروميد في دم المريض، وجدوا أنها تتجاوز الحد الطبيعي بنحو 230 مرة. وبناءً عليه، تم تشخيصه بـ "التسمم بالبروميد" (البروميزم)، وهو مرض يسبب أعراضًا عصبية ونفسية حادة مثل الهلاوس والبارانويا.
رحلة العلاج
مكث المريض في المستشفى لمدة ثلاثة أسابيع لمراقبة واستعادة توازن السوائل والأملاح في جسمه. وبسبب حالة الارتياب والبارانويا الشديدة، حاول الهروب من المستشفى، مما اضطر الأطباء لإبقائه قيد الرعاية الإلزامية وتناول جرعات يومية من عقار "ريسبريدون" المضاد للذهان.
تحسنت حالته تدريجيًا حتى تم سحب الدواء منه وأُخرج من المستشفى، لتستقر حالته تمامًا خلال فحص المتابعة بعد أسبوعين.
ما الذي يجعل هذه الحالة فريدة؟
كشف المريض للأطباء بعد تحسن حالته الصحية، أنه كان يبحث عن بديل أكثر صحة لملح الطعام (كلوريد الصوديوم)، واستشار نموذج الذكاء الاصطناعي "تَشَات جي بي تي" (ChatGPT)، اقترح عليه المولد الآلي استبدال كلوريد الصوديوم بـ "بروميد الصوديوم"، ليستمر الرجل في تجربة هذه النصيحة لثلاثة أشهر متواصلة.
كانت الأدوية التي تحتوي على أملاح البروميد شائعة الاستخدام قديماً لعلاج الصداع واضطرابات المعدة، إلا أنها انحسرت تمامًا بعدما اكتشف الأطباء في أوائل القرن العشرين أن التسمم بالبروميد كان سببًا في 8% من حالات الدخول إلى مستشفيات الأمراض النفسية.
وبسبب تشابه البروميد مع الكلوريد في الحجم والشحنة، يمكنه أن يحل محل أدواره في الجسم، وهنا تكمن الخطورة؛ فالكلوريد يساهم في النشاط الكهربائي للدماغ عبر المرور من القنوات العصبية، ومع دخول البروميد عبر تلك القنوات، يختل النشاط الطبيعي للمخ وتبدأ الأعراض العصبية والنفسية بالظهور.
ورغم أن التسمم بالبروميد أصلح نادرًا في عصرنا الحالي ولا يضعه الأطباء كاحتمال أول للذهان، إلا أن سهولة شراء مكملات البروميد عبر الإنترنت تعيد فتح الباب أمام مثل هذه الحالات.
تحذيرات الأطباء وموقف الشركة
أراد الأطباء التأكد مما إذا كان "تَشَات جي بي تي" سيعيد توصيته الخاطئة، فقاموا بتوجيه أسئلة للنموذج حول سبل استبعاد أيونات الكلوريد من النظام الغذائي؛ واقترح البوت مجددًا أملاح البروميد كبديل دون إرفاق أي تحذير صحي بشأن مخاطر الاستهلاك المفرط لها.
وشدد الأطباء في تقريرهم على ضرورة إدراج احتمال التسمم بالبروميد أثناء التقييمات النفسية للحرص والحيطة، مؤكدين أن هذه الحالة تسلط الضوء على خطورة الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي للحصول على نصائح طبية.
من جانبها، تنص شروط الاستخدام الخاصة بشركة "OpenAI" على ضرورة: "التحقق دائمًا من المعلومات المقدمة واستخدام التقدير المهني المستقل في اتخاذ القرارات الصحية دون الاعتماد الكلي على المخرجات الآلية".