عاجل

من السجن إلى «خدمة الجمهور».. عقوبات إسرائيلية جديدة تلاحق النشطاء الفلسطينيين

أرشيفية
أرشيفية

لم تعد أدوات العقاب التي تستخدمها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق النشطاء والصحفيين الفلسطينيين تقتصر على الاعتقال والسجن، إذ تتجه في الآونة الأخيرة إلى أساليب أخرى أقل وضوحًا، تشمل الحبس المنزلي والإبعاد وفرض أعمال الخدمة المجتمعية، في إجراءات يقول خبراء إنها تستهدف تقييد حركة النشطاء وإضعاف قدرتهم على التأثير داخل مجتمعاتهم.

وتبرز قضية الناشطة الفلسطينية آلاء الصوص مثالًا على هذا النهج، بعدما أصدرت محكمة إسرائيلية قرارًا بمعاقبتها بأداء ما يعرف بـ«خدمة الجمهور» لمدة 9 أشهر، إلى جانب غرامة مالية قدرها 600 دولار، والحكم عليها بالسجن الفعلي لمدة 6 أشهر مع وقف التنفيذ، وذلك على خلفية اتهامها بالتحريض.

أسرى فلسطين يستعدون لخطوات تصعيدية ويشكلون لجانًا نضالية

وتأتي هذه القضية في ظل تصاعد استخدام السلطات الإسرائيلية، خصوصًا في القدس ومناطق عرب 1948، لإجراءات عقابية بديلة للسجن، في وقت تتزايد فيه القيود المفروضة على النشطاء والصحفيين والمؤثرين الفلسطينيين.

ويرى خبراء أن هذه الإجراءات تمثل نمطًا من «الردع الناعم»، يجمع بين الملاحقة الأمنية والإجراءات القضائية والمدنية، ويهدف إلى فرض قيود مستمرة على حياة الفلسطينيين اليومية دون اللجوء في كل حالة إلى الاعتقال أو السجن المباشر.

عقوبات بأشكال متعددة

ويقول الأسير الفلسطيني المحرر كميل أبو حنيش إن أشكال الاعتقال والعقاب والإيذاء التي تمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين تتعدد وفق التصنيفات الجغرافية والقانونية.

وأوضح، في حديث لوكالة «سبوتنيك» الروسية، أن فرض عقوبة الخدمة المجتمعية بدلًا من السجن، كما حدث مع آلاء الصوص، يطبق عادة بحق حاملي الهوية الإسرائيلية من سكان القدس ومناطق «عرب 48».

وبحسب أبو حنيش، تستخدم السلطات الإسرائيلية هذا الأسلوب لإدانة الفلسطينيين ومعاقبتهم، حتى في قضايا تتعلق، بحسب وصفه، بممارسة حرية الرأي والتعبير أو نشر الآراء عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ويرى الأسير المحرر أن هذه الإجراءات تعكس استمرار سياسة ملاحقة الفلسطينيين ومعاقبتهم بوسائل متعددة، مشيرًا إلى أن المنظومة العقابية لا تقتصر على السجن التقليدي.

ويستشهد في هذا السياق بسياسة الاعتقال الإداري، التي يمكن بموجبها احتجاز الفلسطيني وتجديد اعتقاله دون توجيه تهمة محددة، إضافة إلى تصنيف «المقاتل غير الشرعي» الذي يطبق بصورة خاصة على فلسطينيين من قطاع غزة.

ويقول أبو حنيش إن أكثر من 3500 فلسطيني يقبعون حاليًا في الاعتقال الإداري، فيما يتجاوز عدد المحتجزين بموجب تصنيف «المقاتل غير الشرعي» 1300 شخص، بحسب ما أورده.

ويضيف أن فرض أعمال الخدمة المجتمعية يندرج ضمن هذه المنظومة، باعتباره وسيلة لإبقاء النشطاء تحت تأثير القرارات الإسرائيلية وإخضاع تفاصيل حياتهم اليومية للرقابة والقيود.

«ردع شبه ناعم» للصحفيين والنشطاء

من جانبه، يرى الأسير الفلسطيني المحرر والباحث في مركز الحضارات عمار الزبن أن الحكم الصادر بحق آلاء الصوص يمثل، بحسب وصفه، أحد أشكال الإجراءات التعسفية التي تستخدمها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بغطاء قضائي.

وقال الزبن، في حديث لـ«سبوتنيك»، إن فرض أعمال خدمة مجتمعية بدلًا من السجن يدخل ضمن ما وصفه بـ«الردع شبه الناعم» الذي يستهدف الصحفيين والنشطاء المجتمعيين في القدس والأراضي المحتلة عام 1948.

وأشار إلى أن هذا الأسلوب ليس جديدًا، موضحًا أن حكومات إسرائيلية استخدمته في السابق بحق أطفال في القدس، إلى جانب وسائل أخرى، مثل الحبس المنزلي والإبعاد لفترات طويلة.

كما أشار إلى سحب الهوية المقدسية، مستشهدًا بما حدث مع عدد من النواب الفلسطينيين عقب الانتخابات الفلسطينية عام 2006.

وبحسب الزبن، فإن الإجراءات المفروضة على آلاء الصوص لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتعلق بما وصفه بالحرب الشاملة على مقومات الوجود الفلسطيني في القدس.

وقال إن كتم الأصوات الفلسطينية التي توثق الانتهاكات الإسرائيلية وتكشفها بات في مقدمة أولويات أجهزة المخابرات، بهدف الحد من تأثير النشطاء والصحفيين ومحاولة تأطير حركتهم داخل المجتمع.

نهاية عام 2016: 7000 سير في الضبط ضبطة

محاولات لإعادة تشكيل النشاط الفلسطيني

ويرى الخبراء أن الانتقال من عقوبة السجن إلى إجراءات مثل الخدمة المجتمعية والحبس المنزلي وتقييد الحركة يحمل بعدًا يتجاوز العقوبة المباشرة، فبدلًا من عزل الناشط خلف القضبان، تفرض عليه قيود مرتبطة بحياته اليومية، بما يمكن أن يؤثر في عمله وعلاقاته ونشاطه المجتمعي، مع إبقائه تحت سلطة قرارات قضائية وأمنية مستمرة.

ويصف خبراء هذا النهج بأنه محاولة لدمج الملاحقة الأمنية بالقانون المدني، بحيث تصبح العقوبة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للناشط، وليس مجرد فترة محددة يقضيها في السجن.

ويقول هؤلاء إن الهدف من هذه السياسات هو ممارسة الضغط على النشطاء والصحفيين، والحد من قدرتهم على التواصل والتأثير، وإبعاد الشباب الفلسطيني عن الانخراط في القضايا الوطنية.

الزبن: إسكات الصوت الفلسطيني لم ينجح

ورغم هذه الإجراءات، يؤكد عمار الزبن أن محاولات إسكات الصوت الفلسطيني لم تحقق أهدافها، ويرى أن المجتمع الفلسطيني بمختلف مكوناته أصبح قادرًا على لعب دور فاعل في نقل الأحداث وتوثيق الانتهاكات، مع تحول عدد كبير من الفلسطينيين إلى مصادر مباشرة للمعلومات والصور ومقاطع الفيديو التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقول إن هذا الواقع جعل من الصعب احتكار رواية الأحداث، بعدما أصبح الفلسطينيون أنفسهم قادرين على توثيق ما يحدث ونقله إلى الجمهور المحلي والدولي.

وبحسب الزبن، فإن الصحفيين والنشطاء والمؤثرين يواصلون أداء هذا الدور رغم القيود والإجراءات التي تفرضها السلطات الإسرائيلية.

أكثر من 9600 أسير ومعتقل

وتأتي قضية آلاء الصوص في وقت تشير فيه مؤسسات الأسرى الفلسطينية إلى ارتفاع كبير في أعداد الفلسطينيين والعرب المحتجزين في السجون الإسرائيلية.

وقالت مؤسسات الأسرى في فلسطين إن عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية تجاوز 9600 أسير وأسيرة حتى بداية أبريل 2026، مشيرة إلى ارتفاع بنسبة 83% مقارنة بما كان عليه العدد قبل الحرب.

الكنيست الشهير” يُحكم الإعدام على “قانون إستخدمى” الشهير – وكالة الصحافة اليمنية

وأوضحت المؤسسات، في بيان صدر مؤخرًا، أن عدد المعتقلين الإداريين ارتفع إلى أكثر من 3532 معتقلًا، بينهم نساء وأطفال، مقارنة بنحو 1320 معتقلًا قبل الحرب.

وقالت إن غالبية المعتقلين الإداريين من الأسرى السابقين، إلى جانب فئات أخرى تشمل طلبة وصحفيين وحقوقيين ونوابًا ونشطاء.

الأسرى المرضى في دائرة الخطر

ولم يقتصر التصعيد، وفق مؤسسات الأسرى، على ارتفاع أعداد المعتقلين، بل شمل أيضًا أوضاع الأسرى الصحية، وأشارت المؤسسات إلى ارتفاع أعداد الأسرى المرضى، موضحة أن معظم الأسرى يعانون أمراضًا أو مشكلات صحية مختلفة، بعضها مرتبط بإصابات تعرضوا لها، فيما تفاقمت حالات أخرى نتيجة الظروف الصحية داخل السجون وسياسات الحرمان من العلاج، بحسب البيان.

وتضع هذه المعطيات قضية آلاء الصوص ضمن سياق أوسع من الإجراءات التي تقول المؤسسات الفلسطينية إنها تستهدف الفلسطينيين في السجون وخارجها.

فبينما يمثل السجن أداة العقاب الأكثر وضوحًا، تبرز إلى جانبه منظومة من الإجراءات الأخرى، تبدأ بالحبس المنزلي وتقييد الحركة، مرورًا بالإبعاد والخدمة المجتمعية، وصولًا إلى الاعتقال الإداري وغيره من أشكال الاحتجاز.

وفي ظل هذا المشهد، يرى خبراء فلسطينيون أن المعركة لم تعد تدور فقط حول إطلاق سراح المعتقلين، وإنما أيضًا حول مساحة الحركة والتعبير والعمل الصحفي والنشاط المجتمعي، في وقت تسعى فيه السلطات الإسرائيلية، بحسب وصفهم، إلى إحكام السيطرة على المجال العام الفلسطيني بأدوات قانونية وأمنية متعددة.

تم نسخ الرابط