يمثل رغيف الخبز خطا أحمر في الأمن القومي الغذائي المصري، فهو السلعة الأساسية التي لا غنى عنها لملايين الأسر، خاصة من ذوي الدخل المحدود والبسطاء. ومن هذا المنطلق لم تكن وزارة التموين والتجارة الداخلية وحدها قادرة على بسط الرقابة المطلقة على آلاف المخابز المنتشرة في ربوع مصر ونجوعها بالاعتماد فقط على الحملات التفتيشية الرسمية، مهما بلغ حجمها وكفاءتها. ومن هنا يأتي إعجابي الشديد بالتوجه الأخير لوزارة التموين في إرساء قاعدة الرقابة الشعبية ودعوة المواطنين بشكل صريح وواضح للإبلاغ الفوري عن أي مخالفات تشهدها المخابز. إن هذا القرار لا يعكس فقط شجاعة إدارية في مكافحة الفساد، بل يمثل نقلة نوعية وجريئة نحو تفعيل الشراكة الحقيقية بين المواطن والدولة، ويؤكد أن حماية الدعم وتوجيهه لمستحقيه تبدأ من وعي الشارع وإرادته الرقابية. إن التلاعب في السلع المدعمة، لا سيما الخبز يأخذ أشكالاً متعددة، منها التلاعب في الأوزان، أو إنتاج خبز غير مطابق للمواصفات، أو التلاعب في حصص الدقيق وتسريبها للسوق السوداء لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المواطن البسيط.
وفي ظل هذه الممارسات الفردية لبعض أصحاب المخابز ضعاف النفوس، تصبح الأجهزة الرقابية التقليدية برغم جهودها المضنية بحاجة إلى "جيش" من العيون المساعدة على الأرض. وهنا تكمن عبقرية القرار، فالمواطن الذي يصطف يوميا أمام المخبز هو الرقيب الحقيقي والأكثر احتكاكا بالخدمة. إنه يشعر بنقص الوزن ويلاحظ رداءة الجودة، ويدرك تماما مواعيد الفتح والإغلاق. وإشراك المواطن في منظومة الرقابة يعني خلق ملايين المفتشين المتواجدين في كل قرية وشارع بشكل دائم ومجاني.
ولكي يتحول هذا القرار من مجرد شعار إداري إلى واقع فعال ومؤثر، تطلب الأمر منظومة متكاملة من التيسيرات التي تضمن للمواطن الأمان وسهولة التواصل. وقد نجحت وزارة التموين في توفير آليات واضحة لتلقي الشكاوى والبلاغات، تتمثل في الخطوط الساخنة ومنصات الشكاوى الحكومية، وتخصيص قنوات اتصال سريعة ومتاحة على مدار الساعة، مثل منظومة الشكاوي الحكومية الموحدة وأرقام جهاز حماية المستهلك ومديريات التموين، مما يسهل نقل البلاغ لحظة وقوع المخالفة. إن سرعة تفاعل الأجهزة الرقابية مع بلاغات المواطنين هي الضمان الحقيقي لاستمرار الثقة، فعندما يرى المواطن أن بلاغه قد أثمر عن تحرير محضر فوري وضبط المخالف، يتولد لديه شعور عميق بالأهمية والقدرة على احداث التغيير. ومن أهم مقومات نجاح هذا القرار هو كفالة السرية التامة لبيانات المواطنين الذين يتقدمون ببلاغات ضد المخالفين، مما يحميهم من أي مضايقات محتملة من جانب أصحاب المخابز، ويشجع على قول كلمة الحق.
إن تفعيل دور المواطن في الرقابة على الخبز يحمل في طياته عوائد اقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية، يمكن إيجازها في وقف نزيف المال العام. إن دعم الخبز يكلف الدولة مليارات الجنيهات سنوياً، والتصدي للتلاعب يضمن وصول هذا الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين وعدم تسريبه لغير الأغراض المخصصة له.
وبذلك نضمن حصول كل مواطن على حصته الكاملة وبالوزن والجودة المقررين قانونا، دون نقصان أو استغلال. وعندما يدرك صاحب المخبز أن كل مواطن يقف أمامه يمتلك القدرة القانونية والسريعة للإبلاغ عن تجاوزه، سيتراجع فورا عن أي محاولة للغش أو التلاعب خوفاً من العقوبات الرادعة. إن قرار وزارة التموين بفتح الأبواب أمام المواطنين للإبلاغ عن مخالفات المخابز يستحق كل الدعم والتقدير، لأنه يعبر عن إرادة حقيقية للإصلاح من داخل المنظومة وخارجها. إنها دعوة صادقة لتكريس مبدأ الشفافية والمحاسبة المجتمعية، وهما الجناحان اللذان تحلق بهما أي سياسة ناجحة تسعى لخدمة المواطن البسيط. كما
أن رغيف الخبز ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل هو رمز للاستقرار الاجتماعي وكرامة المواطن المصري. وإن تكاتف الشعب مع مؤسسات الدولة الرقابية يمثل الصخرة التي تتكسر عليها كافة أشكال الجشع والتلاعب. فلنكن جميعا حراسا للحق، ولندعم هذا التوجه الواعي لبناء مصر الجديدة.