عاجل

لم يكن المشهد الذي شهدته مدينة طرابزون التركية عند وصول اللاعب المصري محمد صلاح بعد أن أنهى عقده مع الفريق الإنجليزي ( ليفربول )مجرد احتفال بلاعب كرة قدم جديد، ولا مجرد مراسم استقبال لنجم عالمي انتقل إلى ناد تركي؛ وإنما كان مشهدا كاشفا عن ظاهرة إنسانية وإعلامية تتجاوز حدود الرياضة، وتعيد طرح سؤال مهم: كيف يصنع النجم صورته في الوعي الجمعي، حتى يصبح حضوره أقرب إلى الأسطورة ، حيث احتشد أكثر من 25 ألف مشجع لاستقبال محمد صلاح، في مشهد امتزجت فيه الأعلام والهتافات والألعاب النارية  والأغاني ، حتى بدا المشهد أقرب إلى احتفال شعبي واسع منه إلى استقبال لاعب قادم إلى ناديه الجديد ،  وقد عبّر صلاح نفسه عن دهشته من حجم الحشود، مؤكدًا أنه لا يتذكر أنه رأى استقبالا مماثلًا من قبل في أي مكان آخر . 

أولى دلالات المشهد هي أن «صلاح» أصبح علامة تتجاوز النادي والملعب، فالجماهير لم تستقبل مجرد لاعب يحمل مهارات فنية، وإنما استقبلت صورة ذهنية متكاملة لنجم ارتبط في الوعي العالمي بالنجاح والإصرار والإنجاز،  تسع سنوات قضاها صلاح مع ليفربول، سجل خلالها 257 هدفًا في 442 مباراة، وفاز بالدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا، جعلت انتقاله إلى طرابزون انتقالًا لصورة وسمعة وتاريخ، وليس مجرد انتقال لاعب من قميص إلى آخر.

وثاني الدلالات أن القوة الناعمة المصرية لا تحتاج دائمًا إلى مؤسسات رسمية كي تظهر، 
فمحمد صلاح، بما صنعه من حضور عالمي، أصبح أحد أبرز الوجوه المصرية التي يعرفها الجمهور خارج العالم العربي،  والأهم أن هذا الحضور لم يبن على خطاب سياسي أو حملة إعلامية، وإنما تشكل تدريجيًا من خلال الأداء والإنجاز والسلوك والصورة الإنسانية التي يمثلها محمد صلاح كلاعب يقدم صورة للشباب تمتليء بمعاني التحدي والإنجاز وتحقيق الأحلام . 

أما الدلالة الثالثة فتتصل بالإعلام الجديد وصناعة الصورة،  فالاستقبال لم يبقَ محصورا في طرابزون؛ إذ انتقلت مشاهده خلال دقائق إلى منصات التواصل الاجتماعي، وتحولت الجماهير المحتشدة والهتافات والأضواء إلى محتوى بصري عابر للحدود،  وهنا لم يعد النجم هو من يظهر في الإعلام فقط، بل أصبح الحدث نفسه منتجا إعلاميا تتولى الجماهير صناعته وتوزيعه وإعادة تفسيره،  وقد حظيت مشاهد استقبال صلاح باهتمام عربي  وعالمي واسع، وتصدرت منصات التواصل الاجتماعي .

كما يكشف الاستقبال عن اقتصاد جديد للنجومية؛ فالنجم العالمي لا يمنح النادي أهدافًا وتمريرات فقط، وإنما يمنحه جمهورًا جديدًا، واهتمامًا إعلاميًا عالميًا، وقيمة تسويقية، وقدرة على جذب المتابعين إلى الدوري والنادي والمدينة ،  ولهذا فإن تعاقد طرابزون مع صلاح يمكن النظر إليه باعتباره استثمارًا في رأس المال الرمزي بقدر ما هو استثمار رياضي ، فقد ارتفعت القيمة السوقية لنادي طرابزون في البورصة بما يزيد عن 10% ، وأعلنت شركات الطيران عن بدء تنظيم رحلات منتظمة من طرابزون إلى القاهرة ، فضلا عن القفزات المليونية لحسابات النادي في منصات التواصل الاجتماعي في أقل من 48 ساعة . 

لكن الأهم من كل ذلك أن الاستقبال يطرح سؤالًا عن معنى الأسطورة في العصر الرقمي،  فالأسطورة لم تعد تصنع عبر الروايات الطويلة وحدها؛ بل قد تصنعها صورة واحدة، أو فيديو قصير، أو ملايين المشاهدات، أو لحظة جماهيرية تتحول إلى رمز،  وما حدث في طرابزون يوضح كيف يمكن لشخصية رياضية أن تتحول، بفعل التفاعل الجماهيري والإعلامي، إلى ظاهرة ثقافية تتجاوز حدود الرياضة، هنا تكمن الدلالة الأعمق: أن النجومية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الأهداف والبطولات، وإنما بقدرة صاحبها على أن يتحول إلى معنى في وجدان الجماهير . 

وفي طرابزون، بدا واضحًا أن محمد صلاح لم يعد مجرد لاعب كرة قدم مصري؛ لقد أصبح في لحظة استقبال استثنائية، سفيرًا غير رسمي لصورة مصر، ونموذجًا للنجاح، وأيقونة جماهيرية يمكنها أن تلهم الكثير من الراغبين في تحقيق النجاح والتميز حول العالم .

 

تم نسخ الرابط