تتحرك مصر في بيئة إقليمية تتسم بتعدد بؤر الصراع وتشابكها، من القضية الفلسطينية والأزمة الليبية والحرب في السودان، إلى التوترات المتصاعدة في الخليج والبحر الأحمر والمواجهات بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي هذا السياق، لم يعد الدور الإقليمي المصري قائمًا فقط على إدارة أزمات منفردة، وإنما أصبح مرتبطًا بمحاولة منع انتقال الأزمات عبر الحدود، والحفاظ على الدولة الوطنية، وصون أمن الممرات البحرية، ودعم التسويات السياسية، وحماية المصالح والأمن القومي المصري.
وتستند أهمية الدور المصري إلى مجموعة من المقومات، في مقدمتها الموقع الجغرافي الذي يضع مصر عند ملتقى المشرق العربي والبحر المتوسط والبحر الأحمر، وثقلها السياسي والعسكري والدبلوماسي، وعلاقاتها المتوازنة مع قوى دولية وإقليمية متباينة. ولذلك تسعى القاهرة إلى اتباع سياسة تقوم على الوساطة والاحتواء وخفض التصعيد، مع الحفاظ على القدرة على الردع وحماية المصالح الوطنية عندما تقتضي الضرورة.
أولاً: القضية الفلسطينية.. مركز الثقل في التحرك المصري
تظل القضية الفلسطينية المحور الأبرز للدور الإقليمي المصري، ليس فقط لاعتبارات تاريخية وسياسية، وإنما لارتباطها المباشر بالأمن القومي المصري، بحكم تماس الحدود مع قطاع غزة وموقع سيناء وأمن البحر المتوسط.
وقد لعبت مصر دورًا محوريًا في جهود وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة، مستفيدة من قنوات اتصالها مع مختلف الأطراف. كما ركز التحرك المصري على ضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ورفض أي مخططات لتهجير الفلسطينيين خارج أرضهم، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وعدم الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية.
وتتجاوز الرؤية المصرية فكرة وقف القتال إلى الدفع نحو حل سياسي نهائي يقوم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار أن استمرار غياب التسوية السياسية يمثل أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
كما طرحت القاهرة دورًا في مرحلة التعافي المبكر وإعادة إعمار غزة، بما يعزز بقاء السكان الفلسطينيين على أرضهم ويهيئ الظروف لاستعادة السلطة الفلسطينية لدورها في القطاع.
ومن المنظور الدبلوماسي، تكمن قيمة الدور المصري هنا في قدرته على الجمع بين الوساطة السياسية (باعتبار مصر هي صاحبة الملف) والدور الإنساني والاتصالات الدولية، مع الحفاظ على موقف سياسي واضح من قضايا التهجير وحل الدولتين.
ثانياً: ليبيا.. أمن الحدود ومنع تفكك الدولة
تمثل ليبيا إحدى أكثر القضايا ارتباطًا بالأمن القومي المصري، نظرًا للحدود البرية الطويلة بين البلدين، وما يرتبط بالأزمة الليبية من مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية وانتقال السلاح.
وتتمثل الرؤية المصرية الأساسية في دعم وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، ودفع المسار السياسي الليبي-الليبي، وصولاً إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، مع رفض التدخلات الخارجية التي تؤدي إلى إطالة أمد الانقسام.
وقد أكدت مصر في مشاوراتها مؤخرًا مع إيطاليا واليونان، وكذلك في اتصالاتها مع الجانب الأمريكي، ضرورة دعم المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة.
ويعكس هذا الموقف إدراكًا مصريًا بأن الاستقرار في ليبيا لا يمكن أن يتحقق من خلال ترتيبات أمنية مؤقتة فقط، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء شرعية المؤسسات وتوحيدها. كما أن القاهرة تتحرك في الملف الليبي من خلال مزيج من الأدوات: الاتصالات المباشرة مع الأطراف الليبية، والتنسيق مع دول الجوار، والتعاون مع القوى الأوروبية والولايات المتحدة، ودعم المسار الأممي.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل استمرار الانقسام السياسي ووجود قوى ومصالح إقليمية ودولية داخل ليبيا، بما يجعل التوصل إلى تسوية مستدامة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدبلوماسية المصرية على المواءمة بين مصالحها الأمنية ومتطلبات التسوية السياسية.
ثالثاً: السودان.. الأمن القومي المصري في عمقه الأفريقي
تكتسب الأزمة السودانية أهمية استثنائية بالنسبة لمصر، نظرًا للروابط التاريخية والجغرافية، وارتباط أمن البلدين بأمن البحر الأحمر وحوض النيل، فضلاً عن التداعيات الإنسانية وحركة النزوح واللجوء لأعداد كبيرة من السودانيين نجاة بحياتهم من الصراع المستعر.
وتتمسك القاهرة بمبدأ وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وترفض إنشاء كيانات موازية من شأنها تكريس تقسيم البلاد.
وفي الوقت نفسه تدعم التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف إطلاق النار، ثم إطلاق عملية سياسية شاملة ذات ملكية سودانية. وتشارك مصر في الآلية الرباعية الدولية المعنية بالسودان، وتسعى إلى تنسيق المسارات الإقليمية والدولية لمنع تضارب جهود الوساطة.
وتكمن خصوصية الدور المصري في السودان في أن القاهرة تتعامل مع الأزمة من ثلاثة مستويات متوازية: الأمن القومي، والدبلوماسية السياسية، والبعد الإنساني؛ فاستقرار السودان يقلل مخاطر انتقال الصراع والإرهاب والجريمة المنظمة إلى الحدود المصرية، كما أن الحفاظ على وحدة السودان يمثل مصلحة استراتيجية مرتبطة بأمن البحر الأحمر وحوض النيل.
ومن ثم فإن الموقف المصري لا يقتصر على الدعوة إلى وقف إطلاق النار، بل يركز على منع تحول الصراع إلى حالة تفكك دائم للدولة السودانية، وهو ما قد ينتج عنه فراغ أمني وجيوسياسي طويل الأمد.
رابعاً: المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية.. دبلوماسية منع اتساع الصراع
يمثل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران نموذجًا مختلفًا من الأزمات التي لا تقع على الحدود المصرية مباشرة، لكنها تتسبب في تداعيات واسعة على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي والملاحة الدولية.
وقد تبنت مصر في هذا الملف نهجًا يقوم على خفض التصعيد وتشجيع الحوار والتفاوض، مع التواصل مع إيران والولايات المتحدة والدول العربية والأوروبية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وركزت الاتصالات المصرية على ضرورة العودة إلى المسار الدبلوماسي والتوصل إلى تسوية تراعي شواغل الأطراف المختلفة، بما يمنع تحول الملف النووي الإيراني إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
وتزداد أهمية هذا الدور في ضوء الارتباط المباشر بين أي مواجهة أمريكية - إيرانية وأمن الخليج والبحر الأحمر وحرية الملاحة وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وقد رحبت مصر بالمسار التفاوضي الأمريكي-الإيراني، مؤكدة أن الحلول العسكرية لا توفر استقرارًا مستدامًا للمنطقة.
وهنا يظهر أحد أهم أبعاد السياسة الخارجية المصرية، وهو القدرة على التواصل مع أطراف متعارضة دون الانخراط في الاستقطاب؛ فمصر، بحكم علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وشراكاتها العربية، وفي الوقت ذاته حرصها على إبقاء قنوات التواصل مع إيران، تستطيع أن تؤدي دورًا داعمًا للوساطات الإقليمية والدولية.
خامساً: البحر الأحمر والقرن الأفريقي.. البعد الجيو-اقتصادي للدور المصري
لا يمكن فصل الملفات السابقة عن أمن البحر الأحمر، الذي يمثل أحد أهم الشرايين التجارية العالمية، كما أن قناة السويس تشكل مكونًا رئيسيًا من عناصر القوة الاقتصادية والاستراتيجية المصرية.
وقد أدى اضطراب الملاحة في البحر الأحمر إلى خسائر اقتصادية مباشرة لمصر، وهو ما يجعل حماية حرية الملاحة ومكافحة تهديدات الجماعات المسلحة في المنطقة جزءًا من مفهوم الأمن القومي المصري، وليس مجرد قضية دولية بعيدة.
كما تتابع القاهرة تطورات القرن الأفريقي والصومال، انطلاقًا من أن أمن البحر الأحمر يبدأ جزئيًا من استقرار الضفة الجنوبية وممراته الاستراتيجية. وتؤكد مصر كذلك دعمها لوحدة الصومال واستقلاله وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية.
ومن هنا يمكن فهم التحرك المصري في هذه المنطقة باعتباره امتدادًا طبيعيًا لسياستها تجاه السودان وليبيا واليمن، أي السعي إلى منع تحول الدول الهشة إلى ساحات مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي.
سادساً: محددات القوة المصرية وتحديات الدور الإقليمي
رغم امتلاك الدولة المصرية عناصر مهمة للتأثير، فإن قدرتها على التحرك ليست مطلقة؛ فالأزمات الحالية تتميز بتعدد الفاعلين، ووجود قوى إقليمية ودولية ذات قدرات مالية وعسكرية كبيرة، فضلاً عن صعوبة التوفيق دائمًا بين مصالح الأطراف المتصارعة.
كما تواجه الدبلوماسية المصرية تحدي الحفاظ على التوازن بين الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والعلاقات العربية، والتواصل مع القوى الدولية الصاعدة، دون أن يؤدي ذلك إلى فقدان هامش الحركة المستقل.
ويضاف إلى ذلك أن نجاح الوساطة لا يعتمد على مهارة الوسيط وحدها، بل على استعداد أطراف النزاع لتقديم تنازلات، وعلى وجود توافق دولي حول التسوية.
ولذلك فإن الدور المصري الأكثر واقعية ليس بالضرورة "حل / تسوية" جميع الأزمات، وإنما منع تفاقمها، وتقليل تكاليفها، وخلق مساحات للتفاوض، وحماية المصالح الوطنية المصرية.
خاتمة: نحو دور مصري يقوم على إدارة الأزمات لا مجرد احتوائها
يمكن القول إن الدور الإقليمي المصري يقوم على معادلة تجمع بين الموقع الجغرافي، والثقل السياسي، والقدرة العسكرية، والوساطة الدبلوماسية، والعلاقات المتوازنة. وفي فلسطين، تعمل مصر على وقف الحرب ومنع التهجير والتمهيد لتسوية سياسية؛ وفي ليبيا تدعم وحدة الدولة والمسار الانتخابي؛ وفي السودان تسعى إلى منع تفكك الدولة والحفاظ على أمنها القومي؛ وفي التوتر الأمريكي-الإيراني تدفع باتجاه خفض التصعيد والحلول الدبلوماسية؛ بينما تنظر إلى أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي.
والتحدي الأساسي أمام الدبلوماسية المصرية في المرحلة المقبلة هو الانتقال تدريجيًا من إدارة الأزمات إلى التأثير في تشكيل النظام الإقليمي، عبر بناء تحالفات مرنة، وتفعيل الأطر العربية والأفريقية والمتوسطية، وتعزيز التنسيق مع القوى الدولية، وربط الأمن بالتنمية وإعادة الإعمار.
إن الدرس الأهم هو أن السياسة الخارجية الناجحة لا تقوم على اختيار طرف في كل صراع، وإنما على تحديد المصلحة الوطنية، وفهم توازنات القوى، والحفاظ على قنوات الاتصال، واستخدام الوساطة في الوقت المناسب، والتمييز بين ما يمكن تحقيقه فورًا وما يحتاج إلى تفاوض طويل الأمد.
ومن هذه الزاوية، فإن الدور المصري في محيطه الإقليمي يمثل نموذجًا لدبلوماسية تسعى إلى تحقيق الاستقرار عبر مزيج من الردع والوساطة والاحتواء، مع التمسك بمبدأ الدولة الوطنية واحترام القانون الدولي والحلول السياسية.