«محامي الأشرار».. من هو أبيلاردو دي لا إسبرييلا رئيس كولومبيا الجديد؟
تفتح كولومبيا صفحة سياسية جديدة مع وصول أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى سدة الرئاسة، في تحول لافت ينقل البلاد من حكم اليسار إلى اليمين، بعد فوزه بفارق ضئيل في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 21 يونيو.
ويخلف دي لا إسبرييلا، البالغ من العمر 48 عاما، الرئيس اليساري جوستافو بيترو، ليصل إلى قصر الرئاسة محملا بسيرة سياسية مثيرة للجدل، رغم أنه لم يشغل منصبا عاما من قبل، إذ صنع اسمه في الأساس كمحام ورجل أعمال، واشتهر بدفاعه عن شخصيات سياسية ورجال أعمال متهمين بالفساد، إلى جانب شخصيات مرتبطة بالجماعات شبه العسكرية.
فمن هو الرئيس الكولومبي الجديد، وما خلفيته التي سبقت وصوله إلى أعلى منصب في البلاد؟
«النمر».. نشأة داخل عائلة ثرية
وُلد أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الذي يطلق على نفسه لقب «إل تيجري» أي «النمر»، في العاصمة بوجوتا عام 1978، لعائلة ثرية، قبل أن تنتقل أسرته إلى إقليم قرطبة وهو لا يزال رضيعا.
ونشأ في عائلة ميسورة من إحدى البلدات الصغيرة في قرطبة، كانت حريصة، وفقا لما أوردته منظمة «العدالة من أجل كولومبيا»، على بناء علاقات مع أصحاب النفوذ السياسي.
وكان والده، أبيلاردو دي لا إسبرييلا الأب، قد تولى خلال عامي 2001 و2002 تنسيق الحملة الانتخابية الإقليمية في قرطبة لألفارو أوريبي، الذي أصبح لاحقا رئيسا لكولومبيا.
وتشير المنظمة إلى أن أوريبي ارتبط خلال مسيرته السياسية باتهامات وصلات مثيرة للجدل بتجار مخدرات وجماعات شبه عسكرية، وهي خلفية ستظهر لاحقا في مسار الرئيس الجديد نفسه.

مستشار للجماعات شبه العسكرية
قبل دخوله عالم السياسة، عمل دي لا إسبرييلا مستشارا للتنظيم الرئيسي للجماعات شبه العسكرية في كولومبيا، قوات الدفاع الذاتي المتحدة الكولومبية «AUC»، خلال عملية نزع سلاحها.
كما عمل مستشارا قانونيا لسياسيين تورطوا في فضيحة «البارا-سياسة»، التي كشفت، منذ عام 2006، عن شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات السرية بين أعضاء في البرلمان ومسؤولين حكوميين وجماعات شبه عسكرية يمينية متطرفة.
وبذلك، ارتبط اسم دي لا إسبرييلا في وقت مبكر من مسيرته السياسية والقانونية بملفات تعد من أكثر القضايا إثارة للجدل في التاريخ السياسي الكولومبي الحديث.

محام لشخصيات مثيرة للجدل
اتخذ دي لا إسبرييلا من بوغوتا وميامي مقرين لنشاطه المهني، وبرز كمحامي دفاع عن عناصر من الجماعات شبه العسكرية، إلى جانب رجال أعمال وسياسيين اتُهموا بالفساد.
وفي عام 2007، تولى الدفاع عن وزير العدل السابق ألبرتو سانتوفيميو، الذي كان مشتبها في تورطه باغتيال المرشح الرئاسي لويس كارلوس غالان عام 1989.
كما دافع لاحقا عن رجل الأعمال الكولومبي دافيد مورثيا غوزمان، الذي اتهم بالاحتيال على عشرات الآلاف من ذوي الدخل المحدود عبر نظام هرمي مالي، والاستيلاء على مدخراتهم، إضافة إلى غسل عائدات مرتبطة بتجارة المخدرات، وفقا لمنظمة «العدالة من أجل كولومبيا».
مؤسسة للسلام.. وانتقادات بسبب الجماعات المسلحة
وفي العشرينيات من عمره، أسس دي لا إسبرييلا «مؤسسة مبادرات السلام» المعروفة باسم «FIPAZ».
وبحسب منظمة «العدالة من أجل كولومبيا»، أتاحت المؤسسة لقادة الجماعات شبه العسكرية الظهور في منتديات جامعية، كما نفذت حملات هدفت إلى منع تسليم بعض المطلوبين إلى دول أجنبية.
لكن المؤسسة واجهت انتقادات حادة، إذ قالت المحكمة العليا في كولومبيا عام 2011 إنها لم تكن تروج للسلام في الوقت الذي كانت فيه جماعات «الدفاع الذاتي» متورطة في مجازر وعمليات اختفاء قسري وجرائم قتل وتعذيب.
وتقول المنظمة إن دي لا إسبرييلا ارتبط بصورة خاصة بسلفاتوري مانكوسو، أحد أبرز قادة الجماعات شبه العسكرية، والذي ارتبطت قواته، وفقا للمنظمة، بنحو 10 آلاف عملية اختفاء قسري وأكثر من 40 ألف عملية تهجير.

وكان دي لا إسبرييلا ومانكوسو قد ارتادا المدرسة نفسها في مدينة مونتيريا.
وعندما سلمت حكومة أوريبي مانكوسو إلى الولايات المتحدة، في خطوة رأى منتقدون أنها هدفت إلى منعه من الإدلاء بشهادته بشأن صلات بين سياسيين وجماعات شبه عسكرية، تولى دي لا إسبرييلا الدفاع عنه.
وقال حينها إن مانكوسو «من مسقط رأسي»، مضيفا أنه «خاض معركة كان ينبغي لنا جميعا نحن أبناء قرطبة أن نخوضها»، وهي تصريحات اعتبرتها منظمة «العدالة من أجل كولومبيا» إيحاء بتبرير عمليات القتل والعنف التي ارتبطت بالجماعات شبه العسكرية.
هل يمثل دي لا إسبرييلا النخبة التي يقول إنه جاء لمواجهتها؟
رغم تقديم دي لا إسبرييلا نفسه، مثل عدد من الشعبويين اليمينيين، باعتباره شخصية من خارج المؤسسة السياسية التقليدية، فإن خلفية حلفائه السياسيين تشير إلى ارتباطه بدوائر النخبة.
فمرشحه لمنصب نائب الرئيس، خوسيه مانويل ريستريبو، سبق أن شغل منصب وزير في حكومة الرئيس إيفان دوكي بين عامي 2018 و2022، كما أعلن عدد من الوزراء السابقين دعمهم للرئيس المنتخب.
ويحظى دي لا إسبرييلا كذلك بدعم جماعة تتمتع بنفوذ واسع في شمال كولومبيا.
وبعد خروج المرشحة اليمينية بالوما فالنسيا من الجولة الأولى، سارعت هي وحزبها «المركز الديمقراطي»، الذي يتزعمه الرئيس السابق ألفارو أوريبي، إلى إعلان دعمهما لدي لا إسبرييلا.
وهكذا تمكن المرشح الذي لم يشغل منصبا عاما من قبل من جمع دعم قطاعات واسعة من اليمين السياسي الكولومبي، إلى جانب شخصيات سبق أن شغلت مواقع بارزة داخل مؤسسات الدولة.

دعم أمريكي يفتح الباب لتحول إقليمي
يحمل دي لا إسبرييلا الجنسيتين الكولومبية والأمريكية، ويصل إلى الرئاسة في ظل دعم واضح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وكان ترامب قد أعلن دعمه للرئيس الكولومبي الجديد، متعهدا بأن العلاقات بين واشنطن وبوغوتا ستصبح «كما لم تكن يوما»، بعد فترة من التوتر بين الولايات المتحدة وكولومبيا خلال عهد الرئيس اليساري غوستافو بيترو.
وترى غلاديس غونزاليس، محللة شؤون منطقة الأنديز في مجموعة الأزمات الدولية، أن وصول دي لا إسبرييلا إلى السلطة سيعزز التحول السياسي نحو اليمين في معظم أنحاء أمريكا اللاتينية.
وقالت، وفقا لوكالة أسوشييتد برس، إن صعوده «سيعزز التحول نحو اليمين في معظم أنحاء أمريكا اللاتينية، ويرسخ كتلة إقليمية من الحكومات المحافظة في مواجهة عدد متناقص من الإدارات اليسارية».
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه القارة تحولا سياسيا ملحوظا، مع صعود قوى محافظة في عدد من الدول، مقابل تراجع حضور الحكومات اليسارية مقارنة بالسنوات الماضية.

روبيو: المحافظون يحققون «نجاحا استثنائيا»
وفي 31 يوليو الماضي، أشاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بما وصفه بمد المحافظين في حكم دول أمريكا اللاتينية، معتبرا أن التطور يمثل «نجاحا استثنائيا».
وقال روبيو، خلال اجتماع حكومي في كامب ديفيد، وفقا لما نقلته وكالة الأناضول، إنه «للمرة الأولى منذ 15 أو 20 عاما، أصبحت الغالبية العظمى من دول القارة بقيادة زعماء وحكومات موالية لأمريكا».
وأضاف أن معظم الانتخابات التي جرت منذ انتخاب ترامب أفضت، بحسب تقييمه، إلى وصول شخصيات مؤيدة لواشنطن إلى السلطة، وتتوافق خياراتها مع الموقف الأمريكي في عدد من الملفات والقضايا.
وبوصول دي لا إسبرييلا إلى الرئاسة، تصبح كولومبيا، إحدى أكبر دول أمريكا اللاتينية وأكثرها تأثيرا، جزءا من هذا التحول السياسي، في وقت تترقب فيه المنطقة كيف سيعيد الرئيس الجديد صياغة علاقاتها مع واشنطن، وموقفها من الملفات الإقليمية، ومستقبل سياسات البلاد الداخلية والخارجية بعد سنوات من حكم اليسار.
ويبقى التحدي الأكبر أمام «النمر» هو الانتقال من صورة المحامي المثير للجدل والمدافع عن شخصيات ارتبطت بملفات شائكة، إلى رئيس دولة مطالب بإدارة مؤسساتها والتعامل مع إرث سياسي وأمني معقد، في بلد لا تزال آثار عقود من الصراع المسلح والاستقطاب السياسي حاضرة بقوة.ش



