عاجل

ليست الحكاية حكاية صلاة في مطعم، ولا خلافاً عابرا بين زبونة وإدارة فرع من فروع «سيزلر»، وإنما هي واقعة كاشفة لظاهرة أخطر من تفاصيلها، هي ظاهرة التنطع الديني ومحاولة فرض التدين الشكلي على المجال العام، وتحويل الدين من علاقة بين الإنسان وربه إلى أداة للضغط والمزايدة والابتزاز الجماهيري.

المشهد في ظاهره بسيط، لكنه في دلالته شديد الخطورة.

شخص يختلف مع إدارة مطعم حول الصلاة، ثم تنتقل الواقعة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ويتحول الخلاف الفردي إلى قضية رأي عام، وتبدأ موجات الغضب والمقاطعة والاتهامات، وكأن المطعم ارتكب جريمة في حق الدين، وكأننا نعيش في "فنطاس كفر" يحتاج في كل لحظة إلى من يثبت لنا أن الإسلام ما زال حاضراً!

وهنا تحديداً تكمن المشكلة.

الإسلام ليس في حاجة إلى هذه الاستعراضات حتى يثبت حضوره. والصلاة ليست شعاراً سياسياً ولا أداة لإثبات الهوية في مواجهة المجتمع. والدين لا يقاس بعدد المرات التي ينجح فيها شخص في فرض مظهره أو ممارسته على الآخرين، وإنما بما يصنعه الإيمان في سلوك الإنسان ومعاملاته وأخلاقه.

والأخطر أن هذه الواقعة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، إذا تركنا الباب مفتوحا أمام من يحاولون تحويل كل مساحة عامة إلى ساحة لإثبات التدين، وكل اختلاف في السلوك إلى معركة دينية، وكل مؤسسة أو مطعم أو فندق إلى طرف مطالب بتقديم فروض الطاعة أمام "حراس الدين" الجدد.

نحن أمام نمط يتكرر .واقعة فردية، ثم تصوير، ثم نشر، ثم استنفار للمشاعر الدينية، ثم اتهامات، ثم تهديد بالمقاطعة، ثم تراجع واعتذار من الطرف الآخر تحت ضغط العاصفة الرقمية.

هذه ليست ممارسة طبيعية للحق في التعبير، وإنما يمكن أن تتحول إلى ابتزاز ديني جماهيري إذا أصبح معيار الصواب هو قدرة مجموعة منظمة أو غاضبة على إشعال وسائل التواصل وإرغام الآخرين على التراجع.

وهنا يجب أن ندق جرس الإنذار.

فالجماعات والأفكار لا تختفي بمجرد سقوط تنظيماتها. الإخوان فكرة قبل أن يكونوا تنظيماً، والسلفية المتشددة في بعض صورها ليست مجرد أشخاص يرتدون زياً معيناً ، وإنما منظومة أفكار قابلة لإعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة. قد يسقط التنظيم، وقد يسجن أو يموت أفراده، لكن الفكرة إذا ظلت حية فإنها تستطيع أن تبحث عن أجيال جديدة ووسائل جديدة ولغة جديدة.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الدولة والمجتمع.

لم يعد مطلوباً بالضرورة أن يظهر صاحب الفكرة المتطرفة في صورة "الإخواني التقليدي" أو "السلفي التقليدي". قد يكون أكثر عصرية، وأكثر قدرة على استخدام لغة العصر، وأكثر إتقانًا للسوشيال ميديا، وأقدر على مخاطبة الجمهور، لكنه يحمل في النهاية الفكرة ذاتها، تحويل الدين إلى سلطة على المجال العام، وفرض تصور واحد للتدين على الجميع.

وهنا تصبح السوشيال ميديا سلاحاً شديد الخطورة؛ لأنها تمنح أي واقعة صغيرة القدرة على التحول إلى معركة كبرى، وتمنح المزايدين فرصة لاستنهاض الغضب الديني، ثم استخدامه في الضغط على مؤسسات وأفراد وشركات.

المفارقة أن كل ذلك يحدث في مصر، الدولة التي يدين غالبية شعبها بالإسلام، والتي لا تحتاج إلى من يثبت لها أن الإسلام موجود.

الإسلام موجود في المسجد، وفي البيت، وفي القلب، وفي الضمير، وفي الصدق، وفي الأمانة، وفي احترام الناس، وفي إتقان العمل، وفي الرحمة، وفي العدل.

أما تحويل المطاعم والمقاهي والشوارع والمنشآت الخاصة إلى ساحات لاستعراض التدين، فليس هو الطريق إلى حماية الدين، وإنما قد يكون الطريق إلى تشويه صورته وإثارة النفور منه.

حتى العبادة نفسها لها أحكامها وشروطها وآدابها، وليست المزايدة على الناس هي معيار التقوى. والمرأة المسلمة التي تريد الصلاة تعرف دينها، كما يعرف الرجل دينه، وليس مطلوباً من كل إنسان أن يتحول إلى مفتش ديني يراقب الآخرين ويحاسبهم على الطريقة التي يمارسون بها شعائرهم.

الأزمة إذن ليست في الصلاة، وإنما في توظيف الصلاة.

وليست في الحجاب، وإنما في توظيف الحجاب.

وليست في التدين، وإنما في تحويل التدين إلى سلطة اجتماعية على الآخرين.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة. لا أحد يملك حق ابتزاز المجتمع باسم الدين، ولا يملك أحد احتكار الحديث باسم الإسلام، ولا يجوز أن تتحول المشاعر الدينية إلى عصا لإرهاب مؤسسة أو مطعم أو شركة أو فرد.

نحن في حاجة إلى مواجهة التطرف فكرياً قبل مواجهته تنظيميا ؛ لأن معركة الأفكار لا تنتهي بسقوط الأشخاص.

«غزوة سيزلر» قد تبدو في ظاهرها واقعة صغيرة، لكنها تكشف شيئاً أكبر بكثير .محاولة إعادة إنتاج خطاب ديني متشدد بلغة جديدة، وأدوات جديدة، ومنصات أكثر تأثيرًا.

وهذا بالضبط ما يستوجب الانتباه.

فالمجتمع الذي يسمح بتحويل كل خلاف إلى معركة دينية، وكل معركة دينية إلى حملة إلكترونية، وكل حملة إلكترونية إلى وسيلة ابتزاز، سرعان ما يجد نفسه أمام وصاية اجتماعية لا يعرف من منحها لأحد.

الدين لله، والوطن للجميع، والمجال العام تحكمه الدولة والقانون والذوق العام، لا مزايدات المتنطعين ولا صراخ "حراس التدين" على منصات التواصل.

والأهم من كل ذلك. مصر ليست بحاجة إلى من يثبت لها إسلامها.

تم نسخ الرابط