عاجل

مع إعلان نتيجة الثانوية العامة من كل عام تعيش الأسر المصرية المشهد نفسه، فرحة عارمة إذا كان المجموع يفتح باب كليات القمة كالطب أو الهندسة، وحالة من الإحباط إذا أغلق هذا الباب وكأن مستقبل الأبناء أصبح مرهوناً برقم في شهادة أو بإسم كلية يحمله الطالب بعد اسمه.

وربما كانت هذه النظرة منطقية قبل عقود عندما كانت الخيارات محدودة وسوق العمل مختلفاً لكن الإصرار على توريثها للأجيال الجديدة لم يعد مقبولا فالعالم الذي نعيش فيه اليوم لا يشبه العالم الذي تخرج فيه آباؤنا أو اجدادنا كما أن الوظائف التي سيعمل بها أبناؤنا بعد سنوات قد لا تكون موجودة اليوم.

لم يعد الاقتصاد العالمي قائماً على المهن التقليدية وحدها بل تقوده التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني والبرمجيات وريادة الأعمال، وأصبحت شركات التكنولوجيا هي الأعلى قيمة في العالم وأصبحت المهارة والابتكار هما العملة الحقيقية في سوق العمل وتشير التقارير الدولية إلى أن السنوات المقبلة ستشهد اختفاء وظائف وظهور أخرى وهو ما دفع دول العالم إلى إعادة صياغة نظمها التعليمية لتواكب احتياجات المستقبل لا ذكريات الماضي.

ولا يعني ذلك أبدا التقليل من قيمة كليات القمة، فالطب أو الهندسة مثلاً من أنبل المهن وأكثرها أهمية لكنهما ليسا الطريق الوحيد للنجاح ولا المعيار الوحيد للتفوق فالمحاسب المتميز الذي يدير استثمارات بمليارات الجنيهات والمحامي المفوه الذي يكسب أكبر القضايا وخبير التسويق الذي يصنع علامات تجارية عالمية ومطور البرمجيات الذي يبتكر تطبيقاً يستخدمه الملايين جميعهم نماذج تؤكد أن النجاح يصنعه الإنسان لا اسم الكلية، كما لا يمكن أن نغفل خريجي معاهد السينما والمسرح والموسيقى والفنون الذين يصنعون فناً يرتقي بوعي المجتمع ويحافظ على هويته ويعبر عن ثقافته ويشكل إحدى أهم أدوات قوته الناعمة، فالأمم لا تبنى بالاقتصاد وحده وإنما تبنى أيضاً بالعلم والثقافة والفن والإبداع.

أما التعليم الفني، فما زال حتى اليوم يدفع ثمن نظرة مجتمعية قديمة رغم أنه في الدول الصناعية يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد فالميكانيكي والكهربائي والسباك والنجار وفني التشغيل وغيرهم ليسوا أصحاب مهن من الدرجة الثانية بل أصحاب مهارات تقوم عليها المصانع وتتحرك بها عجلة الإنتاج ولا تستغني عنهم أي دولة تريد أن تتقدم.

ولم يكن الاهتمام بالتعليم الفني مجرد وجهة نظر بل أصبح توجهاً تتبناه الدولة، فقد دعا فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة إلى تغيير ثقافة المجتمع تجاه التعليم الفني والجامعات التكنولوجية مؤكداً أن بناء الجمهورية الجديدة يحتاج إلى كوادر فنية مدربة تمتلك المهارة والمعرفة وتواكب التطور التكنولوجي وهو ما انعكس ايجاباً على التوسع في إنشاء الجامعات التكنولوجية ومدارس التكنولوجيا التطبيقية لتلبية احتياجات سوق العمل.

ولعل المفارقة، أن بعضنا يفتخر إذا قدم ابنه نفسه بمسمى وظيفي أجنبي داخل شركة بينما يخجل البعض من مهنة فنية شريفة قد تحقق لصاحبها دخلاً أكبر ومستقبلا أفضل وكأن المشكلة في المسمى بينما الحقيقة أن المشكلة في نظرتنا إلى العمل نفسه، فالمجتمعات المتقدمة لا تقيس قيمة الإنسان بشهادته وإنما بما يقدمه من إنتاج وما يملكه من مهارة وما يضيفه لوطنه.

الحقيقة أن ثقافة  الأسرة يجب ان تتجه الى مساعدة ابناءها على اكتشاف أنفسهم، فمن يحب البرمجة سيبدع فيها أكثر من أي تخصص آخر ومن يمتلك موهبة المرافعة قد يصبح محامياً كبيراً ومن يعشق الأرقام قد يصبح مديراً ماليا يقود أكبر الشركات ومن يجد شغفه في التعليم الفني قد يصبح صاحب حرفة نادرة يطلبها السوق داخل مصر وخارجها كما أن من يملك موهبة فنية حقيقية قد يصبح مخرجاً أو موسيقياً أو ممثلاً أو كاتباً يترك أثراً في وجدان أمة بأكملها فالإنسان يبدع فيما يحب وإذا أبدع تميز وإذا تميز أصبح مطلوباً وإذا أصبح مطلوباً حقق نجاحاً ودخلاً قد يتجاوز كثيرا من أصحاب المهن التي اعتدنا أن نصفها بأنها كليات قمة.

ولعل أخطر ما نفعله بأبنائنا أننا نرسم لهم طريقاً واحداً للنجاح ثم يصابوا بالإحباط إذا لم تتوافق نتائجهم معه، بينما الحقيقة أن النجاح لم يعد طريقاً واحداً بل طرقاً متعددة وأن المجتمع الذي يحترم جميع التخصصات ويمنح كل صاحب موهبة فرصته هو المجتمع الأكثر قدرة على المنافسة وبناء المستقبل.

التنسيق الجامعى لا يحتاج إلى إعادة نظر بقدر ما تحتاج عقولنا إلى إعادة تنسيق، فحين تتغير نظرتنا إلى النجاح سندرك أن كليات القمة ليست وحدها من تصنع القمم، وأن الوطن لا يبنيه الطبيب والمهندس فقط بل يبنيه أيضا جنباً الى جنب معهما المحاسب الكفء والمحامي البارع والمبرمج المبتكر والفني المحترف والفنان المبدع وكل إنسان أتقن تخصصه وأخلص فيه.

تم نسخ الرابط