مخطئ من يظن أن مشروع سد النهضة فكرة إثيوبيا من الأساس، بل هي فكرة صهيونية بامتياز تمثل البعد الديني الخفي في السياسة العالمية؛ كإصدار جديد من قصة النبوءة والسياسة، أهدافه كلها مستمدة من بين ثنايا أوراق التوراة والتلمود، وذلك لتعطيش مصر حسب التفسير التلمودي للتوراة المحرفة، وبالتالي خراب مصر تبعًا لنبوءات العهد القديم، وذلك بصناعة معصرة غضب الرب المزعومة على مصر، والتمهيد لجحيم الإله المنتقم من مصر على معاملة شعبها لبني إسرائيل تعويضًا عن فترة التيه القديمة لمدة أربعين عامًا.
فسد النهضة موضوع قديم، له جذور تاريخية عبر القرون، تعود إلى أوراق التوراة الصفراء المحرفة عبر فكرة تمكنت تمامًا من العقل الصهيوني عبر التراث التوراتي، تتلخص في إيصال مياه نهر مصر المقدس إلى أرض أورشليم المقدسة، تبعًا لما يعرف بالعطاء الإلهي لسيدنا إبراهيم في تفسيراتهم.
وعندما يشيد سفير إسرائيل لدى إثيوبيا بسد النهضة وبهذا البناء الضخم المطل على النهر ودوره في مستقبل إثيوبيا، وذلك عقب ساعات قليلة من انتقادات مصرية حادة وجهها وزير الخارجية المصري لحكومة آبي أحمد بشأن "تسييس" تشغيل السد عبر إجراءات أحادية؛ تلك الإشادة الإسرائيلية بالسد متعمدة، وضمن رسائل للقاهرة في ظل دور مصري نشط في القارة الأفريقية، وحراك أمريكي لحل أزمة السد.
وهذه التصريحات الإسرائيلية تُعقِّد الأزمة وتُؤخِّر حلها، وليست صدفة أنهم بنوا السد بالتوازي مع توقع جفاف قادم وسنوات عجاف، وأصروا واستكملوا البناء والتخزين بالتوازي مع اقتراب الموعد، وذلك للضغط على مصر أثناء الجفاف للقبول بكل ما يُطلب منها. هم يحاولون أن يأتوا بأحداث حدثت في الماضي وسُطرت بالعهد القديم وبنوا عليها للمستقبل، والله من ورائهم محيط.
وبداية القصة في العصر الحديث تعود إلى العام 1903، حين تقدم تيودور هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية بطلب رسمي إلى الحكومة البريطانية، طلب فيه من حكومة لندن العمل على إيصال مياه النيل إلى أرض فلسطين، بحجة وجود فائض من مياه النهر يصب في البحر المتوسط دون استغلاله من قبل رجال الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
وفي أغسطس من نفس العام، عُقد في لندن آخر مؤتمر للحركة الصهيونية يحضره هيرتزل قبل وفاته. وثائق المؤتمر السادس وثقت مناقشة نقاط شديدة الخطورة، منها الأهمية الدينية الفائقة لشبه جزيرة سيناء المصرية في التوراة، وأكدت على أهمية توطين التواجد اليهودي الصهيوني في شرق أفريقيا، لا سيما في أوغندا وإثيوبيا وكينيا، لتحكم تلك الدول في مسار النهر المصري المقدس.
وبعد حرب يونيو 1967، خرجت تصريحات خجولة متناثرة من شخصيات إسرائيلية ذات ثقل مثل إيجال ألون وليفي أشكول، تلمح إلى حلم وصول مياه نهر النيل إلى قلب إسرائيل. وفي مباحثات كامب ديفيد، وثّق هنري كيسنجر رفض الرئيس السادات التفاوض نهائيًا حول تلك النقطة.
وانفتحت بوابات الجحيم على مصراعيها من العام 1979، وبدأ الموساد يعمل بقوة وشراسة من خلال عملائه على إشعال الموقف في كل دول منابع النيل، ودخل مخطط تقسيم السودان وإضعافه حيز التنفيذ على يد الثنائي الإخواني حسن الترابي وعمر البشير وعميل الموساد جون قرنق.
وكانت المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في يونيو 1995 في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، هي محاولة جديدة لإشعال الفتنة بين مصر والشركاء من دول حوض النيل، وكان هدفها اغتيال مبارك وإشعال حرب عسكرية بين مصر وإثيوبيا، ومحاولات إيجاد شرعية لإسرائيل من خلال يهود الفلاشا الذين وجدوا بجوار منابع النيل باعتبارهم مواطنين أفارقة وفقًا لميثاق الاتحاد الأفريقي، ومن ثم — يزعمون — أنه يحق لها (أي إسرائيل) التدخل بحجة الإدارة المشتركة لمياه النيل.
وأخيرًا، هم يعتقدون أن كل الأحداث تشير إلى السنوات القليلة قبل العلو الثاني لبني إسرائيل، فهم يريدون ربط أحداث قد حدثت بالفعل في القرون الماضية بالعصر الحالي بتسريع الأحداث، وربط خراب مصر بالعلو الثاني الكبير لبني إسرائيل، وبدأوها بالسيطرة على العراق (الفرات) وصولاً لمصر (النيل)، حيث تكون مصر هي الكعكة الثمينة التي بمجرد السيطرة عليها من كل النواحي ستكون الفرصة سانحة لإقامة معبد هيكل سليمان على جبل الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى بالقدس وكنيسة القيامة، وتهويد منطقة القدس بأكملها لكي يأتي مخلصهم السيد الرب (المسيح أو المسيخ الدجال) الذي يريدون أن يجلس على عرش داوود في القدس.