عاجل

"قد تُطفئ دانةُ مدفعٍ حياةَ إنسان، لكن كلمةً واحدة قد تُطفئ أملَ أمة... وقد تُحييها".

اعتاد الناس أن يقيسوا القوة بما تملكه الجيوش من أسلحة، وبما تملكه الدول من عتاد، لكنهم كثيرًا ما يغفلون أن أخطر سلاح عرفته البشرية لم يكن المدفع ولا الصاروخ، وإنما الكلمة.

فدانة المدفع قد تهدم جدارًا أو تنهي معركة، أما الكلمة فقد تبني إنسانًا، وتُصلح أسرة، وتصنع أجيالًا، كما قد تهدم النفوس، وتزرع الفتنة، وتدمر العلاقات، ويظل أثرها باقيًا في القلوب والعقول سنوات طويلة.

وفي عصر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الكلمة أكثر انتشارًا وتأثيرًا من أي وقت مضى.

فما يُكتب في ثوانٍ قد يصل إلى ملايين البشر، وقد يتحول إلى رأي عام، أو يُشعل أزمة، أو يُفسد علاقة، أو يُحطم مستقبل إنسان.

لذلك لم يعد الحديث أو الكتابة حقًا مجردًا، بل أصبح مسؤولية أخلاقية ووطنية ودينية.

ولعل أعظم ما يلفت الانتباه أن الإسلام سبق كل القوانين والنظريات الحديثة في ترسيخ مسؤولية الكلمة، فقال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.

ولم يكتفِ القرآن الكريم بذلك، بل أكد أن الخير الحقيقي في الكلام هو ما يحمل إصلاحًا، فقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾.

وجاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المعنى بقول النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، وبقوله ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا».

إنها رسالة واضحة بأن الكلمة ليست صوتًا عابرًا، وإنما أمانة يُسأل عنها الإنسان بين يدي الله.

ومن أخطر ما ابتُلينا به في زماننا إطلاق الأحكام على الناس، والتسرع في تفسير أقوالهم، وبناء المواقف على الظنون.

وقد حسم القرآن الكريم هذا الأمر بقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

فكم من كلمة قاسية خرجت بسبب سوء ظن، وكم من علاقة انتهت بسبب تفسير خاطئ، وكم من إنسان ظُلِم لأن البعض نصب نفسه قاضيًا على نيات الآخرين.

والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا أن النية محلها القلب، ولا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

ولذلك قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

فلا يحق لأحد أن يحاكم نيات الناس أو يوزع صكوك الإدانة وفق ظنونه أو أهوائه، لأن الله وحده هو العليم بما في الصدور، بينما يبقى الإنسان مسؤولًا عن كلمته التي ينطق بها، لا عن النيات التي يتوهمها في الآخرين.

إن الكلمة لا تُقاس بعدد حروفها، بل بحجم أثرها.

فقد ترفع إنسانًا بعد أن أنهكه اليأس، وقد تعيد الأمل إلى قلب مكسور، وقد تُصلح بين متخاصمين، وقد تُشعل فتنة تمتد آثارها لأجيال.

وليس أخطر ما في الكلمة أنها تُقال، بل أنها قد تُصدَّق، ثم تُنقل، ثم تتحول إلى قناعة، وربما إلى قرار يغيّر حياة إنسان بأكملها.

لذلك فإن المسؤولية اليوم تقع على الجميع: الإعلامي، والكاتب، وصانع المحتوى، والمسؤول، والمواطن، بل وعلى كل من يملك حسابًا على وسائل التواصل الاجتماعي.

فالكلمة أمانة، والصدق أمانة، واحترام الناس أمانة، والتثبت من الأخبار أمانة.

وما يُنشر في لحظة قد يترك جرحًا يبقى سنوات، أو يزرع أملًا يبقى عمرًا كاملًا.

إن بناء الأوطان لا يبدأ بالحجر، وإنما يبدأ بالفكر، والفكر تصنعه الكلمة.

وإذا كانت دانة المدفع تُدمّر حجرًا، فإن الكلمة قد تُدمّر بشرًا أو تبني حضارة.

ولهذا كانت الكلمة أقوى من دانة المدفع.

فلنجعل كلماتنا نورًا لا نارًا، ورحمةً لا قسوةً، وجسرًا للمحبة لا سببًا للفرقة، ورسالةً للإصلاح لا وسيلةً للهدم.

ولنتذكر دائمًا قول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وقول النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

فقد ينسى الناس أموالًا أُعطيت لهم، وقد ينسون معروفًا صُنع معهم، لكنهم لا ينسون كلمةً أحيت فيهم الأمل، ولا كلمةً جرحت كرامتهم.

فاحفظ لسانك قبل أن تحفظ قلمك، وأحسن الظن قبل أن تحكم، وأخلص النية قبل أن تتكلم؛ فالكلمات لا تموت، وإنما تبقى آثارها في القلوب، ويجدها صاحبها مكتوبةً في صحيفته يوم يقف بين يدي الله.

ولذلك أقول، عن يقين وإيمان: الكلمة أقوى من دانة المدفع.

تم نسخ الرابط