عاجل

هل كانت حرب الخليج عام 1990 مجرد رد فعل دولي على اجتياح الكويت؟ أم أنها كانت خطوة محسوبة بدقة لتأسيس نظام عالمي جديد؟

كيف تحوّل العراق، الذي خرج لتوّه من حربٍ مدمّرة مع إيران، إلى "العدو الأول" للعالم؟ ولماذا ظهر فجأة الحديث عن أسلحة كيماوية وجرائم إبادة، ثم فُرض حصار استمر 13 عامًا حتى سقوط بغداد؟

في هذه الحلقة سنكشف كيف تعاملت الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة، وكيف بدأت هندسة الأزمات لصناعة واقع جديد، عنوانه: السيطرة على النفط، وبناء قواعد عسكرية، وفرض الهيمنة.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة ليس مجرد منطقة جغرافية، بل ساحة نفوذ حيوية ترتبط بثلاث كلمات: النفط – إسرائيل – الأمن العالمي.

وخلال الحرب الباردة، كانت واشنطن تُدير المنطقة بعقلية التوازن؛ توازن يمنع السوفييت من الاقتراب، ويضمن استمرار تدفق النفط نحو الغرب.

لكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات، تغير كل شيء. لم تعد أمريكا بحاجة لتبرير وجودها باعتبارها "قوة مواجهة"، بل أصبحت القوة الوحيدة القادرة على إعادة تشكيل العالم.

وهنا بدأ الشرق الأوسط يتحول إلى الهدف القادم. واشنطن لم تكن تريد فقط محاربة المخاطر، بل أرادت — حسب رؤيتها — القضاء على الأسباب التي قد تنتج هذه المخاطر؛ أي أنها لم تعد تكتفي برد الفعل، بل بدأت تتجه لصناعة الأحداث. وكان العراق، في قلب هذه الخطة، يمثل عقدة استراتيجية كبرى.

من عام 1980 حتى 1988، خاض العراق وإيران واحدة من أطول وأعنف الحروب في القرن العشرين. الحرب استنزفت الطرفين، لكنها في الوقت نفسه فتحت بابًا واسعًا لمكاسب اقتصادية هائلة، خصوصًا لتجار السلاح الدوليين.

وخلال تلك الحرب، لم يكن العراق يقاتل وحده؛ لقد استفاد من الدعم المالي، والتقني، والمعلومات الاستخباراتية، والقروض، ليخرج في النهاية بجيشٍ ضخم وقدرة عسكرية مرعبة.

لكن المشكلة بدأت بعد انتهاء الحرب؛ العراق خرج بقوة عسكرية، لكنه كان منهارًا اقتصاديًا، مثقلاً بالديون، ويبحث عن دور جديد في المنطقة. ومن وجهة نظر واشنطن، هذا التطور كان خطيرًا جدًا. العراق أصبح قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها، وربما يستطيع التأثير على ميزان القوى العربي بطريقة تتناقض مع مصالح أمريكا وحلفائها.

وهنا بدأ القلق الأمريكي يتصاعد: ما الدور الذي يسعى العراق لاحتلاله؟ ومن هم حلفاؤه؟ وهل يمكن أن يتحول إلى قوة عربية مستقلة؟

في عام 1989، وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، تحرك العراق سياسيًا، وأعلن تأسيس تكتل جديد: مجلس التعاون العربي. ضمّ هذا المجلس: العراق، الأردن، اليمن الشمالي، ومصر. تحالف سياسي واقتصادي وعسكري كان يمكن أن يصبح كتلة عربية قوية قادرة على التفاوض مع الغرب، وربما خلق توازن جديد في المنطقة.

لكن الإدارة الأمريكية رأت أن هذا التحالف يمثل تهديدًا مباشرًا لفكرة السيطرة المنفردة على النظام العربي. فمنذ لحظة ولادته، بدأت واشنطن في البحث عن طريقة لإضعافه، أو إفشاله بالكامل.

وكانت نقطة الضعف الواضحة: طموحات صدام حسين ونزعته التوسعية. وبدلاً من المواجهة المباشرة، بدأت سياسة أكثر دهاءً: صناعة أزمة، ثم تحويل الأزمة إلى حرب، ثم تحويل الحرب إلى وجود عسكري دائم.

فجورج بوش الأب هو من كان يرأس أمريكا في ذلك الوقت، وهو أيضًا كان الرئيس السابق لجهاز المخابرات الأمريكية (C.I.A)؛ فهو من خطط لصناعة هذه الأزمة لتنتهي بقواعد عسكرية دائمة في جميع دول الخليج العربي للقضاء على أي فكرة قد تقود إلى إنشاء قوة عربية مشتركة.

في هذا الوقت، كانت الدراسات تؤكد أن العراق يمتلك احتياطيًا نفطيًا ضخمًا، وأنه قد يحتل المرتبة الأولى عالميًا مستقبلاً متجاوزًا السعودية. والسعودية وحدها كانت تمتلك احتياطيًا يقترب من 272 مليار برميل، أما الولايات المتحدة فكانت لا تمتلك سوى نحو 22 مليار برميل فقط.

بمعنى آخر: أمريكا، مهما بلغت قوتها العسكرية، لا يمكنها الاستمرار كقوة عظمى دون السيطرة على منابع الطاقة. ومع العجز عن إيجاد بدائل للنفط بنفس التكلفة والسهولة، أصبح النفط العربي هو "شريان الحياة" للاقتصاد الغربي. ومن هنا، بدأ العراق يتحول من دولة عربية مثقلة بالديون إلى هدف استراتيجي عالمي.

في مارس 1988، وقعت مأساة حلبجة، حيث قُتل مئات المدنيين الأكراد بسبب استخدام الغازات السامة. الحدث كان صادمًا، وتم تقديمه للعالم كدليل على ارتكاب العراق "جرائم إبادة جماعية". لكن المفارقة أن تقارير لاحقة، من بينها تقارير أمريكية، أشارت إلى احتمال أن إيران هي من ارتكب الجريمة أو شارك فيها.

ورغم ذلك، استُخدمت الواقعة سياسيًا وإعلاميًا كأداة لإدانة العراق دوليًا. والأخطر أن الولايات المتحدة نفسها كانت قد غضّت الطرف سابقًا عن استخدام العراق لهذه الأسلحة، بل إن بعض المصادر تؤكد أن جزءًا من المواد الكيميائية وصل للعراق عبر شبكات دولية سمحت بها القوى الكبرى. لكن عندما جاءت اللحظة المناسبة، تحولت القضية إلى سلاح سياسي لتبرير العزل والحصار.

في السادس من أغسطس 1990، صدر قرار مجلس الأمن رقم 661، الذي فرض عقوبات اقتصادية خانقة على العراق، وتوالت القرارات بعد ذلك. المثير هنا أن الحصار استمر حتى بعد انسحاب العراق من الكويت، واستمر قرابة 13 عامًا حتى سقوط النظام عام 2003.

في هذا الوقت، كانت ديون العراق قد تحولت إلى عبء كارثي. عندما بدأت الحرب مع إيران، كان العراق يمتلك فائضًا ماليًا يُقدّر بـ 30 مليار دولار، لكن بعد الحرب قُدّرت ديونه بحوالي 100 مليار دولار. وخسر العراق وإيران معًا مئات المليارات نتيجة توقف إنتاج النفط، إضافة إلى مليون قتيل وأكثر من مليون وسبعمائة ألف جريح من الطرفين.

كانت حربًا مدمرة، تركت العراق جاهزًا للانفجار من الداخل. وهنا جاءت الخطوة التالية.

إذا كانت حرب العراق وإيران تُسمى حرب الخليج الأولى، فإن احتلال الكويت أصبح حرب الخليج الثانية، وتحريرها أصبح حرب الخليج الثالثة.

لكن السؤال الأخطر: كيف وصل صدام إلى قرار غزو الكويت؟

بعد الحرب مع إيران، طالب العراق دول الخليج، خصوصًا الكويت والإمارات، بالتنازل عن الديون التي أقرضته إياها، لكن الكويت رفضت. ثم تصاعد الخلاف بسبب النفط، حيث اتهم العراق الكويت بالإفراط في الإنتاج، مما أدى إلى انخفاض الأسعار، وبالتالي خنق الاقتصاد العراقي.

وفي يوليو 1990، بدأ صدام يلوّح بالتهديد العسكري. وفي 25 يوليو حدث الاجتماع الأخطر: لقاء السفيرة الأمريكية في بغداد "أبريل غلاسبي" مع صدام حسين.

وخلال اللقاء، قالت السفيرة — وفق روايات عديدة — إن الولايات المتحدة لا ترغب في التدخل في النزاعات العربية الداخلية. هذا التصريح فُهم من بغداد كرسالة واضحة: واشنطن لن تتدخل إذا تحرك العراق ضد الكويت.

بعض المسؤولين الأمريكيين لاحقًا قالوا إن صدام "فهم الأمر خطأ"، لكن كثيرين يرون أن ما حدث كان أقرب إلى الضوء الأخضر غير المباشر. وبعد أيام قليلة اجتاح العراق الكويت.

بعد الغزو، بدأت الولايات المتحدة حملة ضخمة لتسويق الحرب. من أبرز ما حدث: أن وزير الدفاع الأمريكي آنذاك "ديك تشيني" قدم للسعودية صورًا من الأقمار الصناعية تزعم وجود 250 ألف جندي عراقي يستعدون لغزو السعودية. لاحقًا ظهرت تقارير وصور روسية لنفس المنطقة، ولم تظهر أي حشود عراقية، بل تبيّن أن هناك استعانة بشركات علاقات عامة لتضخيم الخطر وإقناع الرأي العام العالمي.

ثم جاءت القصة الأشهر: شهادة "الممرضة الكويتية". فتاة شابة ظهرت في مؤتمر صحفي، وقالت إنها شاهدت جنودًا عراقيين يدخلون المستشفى، يسرقون الحضّانات، ويتركون الأطفال يموتون على الأرض الباردة. القصة هزّت العالم وأثارت موجة غضب دولية ضخمة.

لكن بعد سنوات ظهر أن الفتاة لم تكن ممرضة، بل كانت ابنة السفير الكويتي في واشنطن، وتم تدريبها على يد شركة علاقات عامة أمريكية شهيرة: (Hill & Knowlton). وهكذا لم تُصنع الحرب فقط بالصواريخ، بل صُنعت بالكاميرا، وبالعاطفة، وبالتلاعب بالرأي العام.

حين بدأت العمليات العسكرية عام 1991، لم تكن مجرد حرب تحرير؛ لقد كانت حربًا لتدمير القوة العراقية بالكامل؛ القوات الجوية العراقية تقلصت من 689 طائرة حديثة إلى حوالي 320، والقوات البرية خسرت ما يقارب ثلاثة أرباع قدراتها، وعدد الدبابات انخفض من 5500 إلى 2600 دبابة، والحرس الجمهوري تقلص من 150 ألفًا إلى ما بين 60 و80 ألفًا.

بل إن كثيرًا من الضربات استهدفت منشآت لم تكن مرتبطة بالأسلحة النووية أصلاً. والأخطر ما حدث أثناء انسحاب الجيش العراقي، حيث تم استهدافه بشكل مكثف، وحدثت مشاهد حرق جماعي لقوافل عسكرية وثّقتها صور صحفية صادمة.

وفي النهاية، لم يكن الإنجاز الأكبر لأمريكا هو تحرير الكويت، بل كان الإنجاز الحقيقي: الحصول على شرعية الوجود العسكري الدائم في الخليج؛ فالقواعد العسكرية الأمريكية التي لم يكن من الممكن قبولها سابقًا أصبحت أمرًا واقعًا.

إذا كان عام 1989 هو العام الذي سقط فيه نظام القطبين بانهيار الاتحاد السوفيتي، فإن عام 1991 كان العام الذي أُعلن فيه النظام العالمي الجديد عمليًا.

لم تعد الحرب تُدار فقط بالجنود، بل بالإعلام، وبالقرارات الدولية، وبالتحالفات، وبتوظيف المؤسسات الدولية كأدوات سياسية. كانت حرب الخليج الثانية بمثابة العرض الأول لعصر جديد: عصر تتحكم فيه قوة واحدة بمصير المنطقة، وتفرض قواعد اللعبة كما تشاء. ومنذ تلك اللحظة أصبح الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للتدخلات، والانقسامات، وإعادة تشكيل الحدود والنفوذ.

في النهاية، قد يختلف الناس في تقييم صدام حسين، وقد يختلفون في تفسير اجتياح الكويت، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن حرب الخليج لم تكن مجرد حرب تقليدية.

لقد كانت بداية مشروع أكبر: مشروع تحويل النفط إلى سلاح سياسي، وتحويل الإعلام إلى أداة حرب، وتحويل القرارات الدولية إلى غطاء للهيمنة. كانت تلك الحرب إعلانًا صريحًا بأن الولايات المتحدة لم تعد فقط قوة عظمى، بل أصبحت القوة التي تقرر شكل العالم.

ومنذ حرب الخليج لم يعد الشرق الأوسط كما كان؛ بدأت مرحلة جديدة من الفوضى المنظمة، والتحالفات المتغيرة، والحروب التي تُدار تحت عناوين براقة، بينما الهدف الحقيقي واحد: السيطرة.

وفي الحلقة القادمة: "الكربورقراطية - Corporatocracy" الأمريكية، حين تتحول القروض إلى سلاح للهيمنة.

تم نسخ الرابط