عاجل

وضع الأستاذ وحيد حامد ورقتي جانبًا ثم رفع رأسه ونظر إليّ مبتسمًا وقال:

— تعالى… قف جنبي.

نهضت من مكاني وأنا لا أعرف هل هي مقدمة لمدحٍ أم لنقدٍ على الملأ لكن ما إن وقفت إلى جواره حتى لاحظت أن ملامحه قد تغيرت تمامًا واختفت الصرامة التي لازمته منذ بداية المحاضرة وحل محلها وجه بشوش طيب وابتسامة حاول كثيرًا أن يخفيها لكنها كانت أقوى منه.

أخذ الورقة بين يديه ونظر إليها مرة أخرى ثم إليّ قبل أن يطلق ضحكة قصيرة صادقة أربكتني أكثر مما أفرحتني.

التفت إلى زملائي وقال:

— بصوا… ده الوحيد اللي ما وقعش في الفخ.

ساد الصمت داخل القاعة.

ثم بدأ يشرح لهم سبب قوله ذلك.

كان يرى أن الكاتب الحقيقي لا يُسهّل الطريق أمام بطله، بل يزيده صعوبة فالمشهد الذي طلبه لم يكن اختبارًا لقدرة أحمد على قول «بحبك»، وإنما اختبارًا لقدرة الكاتب على صناعة التوتر داخل مساحة ضيقة وزمن قصير.

راح يناقش أوراق زميلاتي واحدة تلو الأخرى قال إن معظمهن ساعدن أحمد أكثر مما ينبغي ؛ أربع معالجات مختلفة لكن الفكرة واحدة تكمُن في وردة وابتسامة واعتراف متبادل وكأن النهاية السعيدة كانت تنتظرهما منذ دخلا الأسانسير.

حتى معالجة علا الشافعي التي جعلت منى تخبر أحمد بأنها مخطوبة لمدير الشركة رأى الاستاذ أنها أضافت عقبة، لكنها جاءت في نهاية المشهد بينما كان المطلوب أن يبدأ الصراع منذ اللحظة الأولى.

ثم رفع ورقتي مرة أخرى، ونظر إليّ بابتسامة لم يحاول هذه المرة أن يخفيها.

كنت واقفًا إلى جواره بينما قلبي يخفق بعنف لا من الخوف وإنما من دهشة أن أول درس أتلقاه في كتابة السيناريو يأتي على يد كاتب بحجم وحيد حامد وأن يكون هذا الدرس على حساب ورقة كتبتها في ربع ساعة.

ولم أكن أدرك وقتها أن تلك الدقائق القليلة ستبقى عالقة في ذاكرتي أكثر من محاضرات امتدت سنوات، وأن ابتسامته الصامتة كانت بالنسبة لي أول شهادة غير مكتوبة بأنني ربما أملك شيئًا يستحق أن أواصل الكتابة من أجله

كانت فكرتي مختلفة تمامًا عن بقية الزملاء فلم أجعل أحمد ومنى ينزلان وحدهما في الأسانسير بل جعلت المصعد يتوقف عند كل طابق تقريبًا ومن كل دور يدخل شخص جديد يقلب الموقف رأسًا على عقب.

في أحد الأدوار دخلت طباخة بدينة تحمل أكياسًا كثيرة، فوجد أحمد نفسه محشورًا في ركن بعيد عن منى. وفي دور آخر صعد سائق مطرود من عمله، لا يكف عن الشكوى والثرثرة. ثم دخل مدرس ومعه تلميذان مشاغبان، وبعدهما شخصيات أخرى، حتى تحول الأسانسير إلى عالمٍ صغير مزدحم، لا يترك لأحمد فرصة واحدة لينطق بكلمة.

وبين الزحام والتدافع، سقطت الوردة من يده، وتعاقبت عليها الأقدام حتى تهشمت وفقدت شكلها، بينما أخذت هيئته هو الأخرى تتبعثر شيئًا فشيئًا. ومع وصول المصعد إلى الطابق الأرضي، لم يعد ذلك الشاب الواثق الذي دخل من الدور العاشر، بل رجلًا استنزفته المحاولات، فابتلع كلماته، وعدل عن فكرة الاعتراف بحبه تمامًا.

هنا لم يستطع الأستاذ وحيد حامد أن يخفي إعجابه وبدأت علاقتي به التي امتدّت حتي يوم وفاته ..

تم نسخ الرابط