الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي وصفته بعض الصحافة الدولية بأنه اتفاق على نمط "الناتو" لا ينظر اليه العالم من زاوية الاتفاق العسكري الجديد فقط، بقدر ما يعكس رؤية علي تحولات أعمق في خريطة الأمن الإقليمي.
ثلاث دول بثقل مختلف تركيا عضو في الناتو ، باكستان دولة نووية ، والسعودية ذات قدرات اقتصادية كبيرة، ثلاثتهم دول اسلامية سنية ، اتفقوا على قاعدة واضحة: أي اعتداء على دولة منها ينظر إليه باعتباره اعتداءً على الدول الثلاث.. رسالة ردع تعلن عن قوي جديدة تظهر في محيط متشابك في ظل تراجع الدور الروسي في المنطقة و تلاعب الولايات المتحدة باستقرار المنطقة لصالح مكاسب اقتصادية وتمكين اسرائيلي..
الصحافة العالمية قرأت الاتفاق في سياق إقليمي شديد التعقيد ، تهديدات متزايدة، صراعات مفتوحة، ضربات ايرانية ، تدخلات أمريكية ، توسعات اسرائيلية ،وتراجع اليقين بشأن قدرة المظلات الأمنية التقليدية على توفير الحماية الكاملة لدول المنطقة حتي مع تواجد القواعد الأمريكية في الخليج والروسية في سوريا في المياه الدافئة.
لذلك يرى البعض في الاتفاق محاولة لبناء قدر أكبر من الردع والاستقلال الأمني، بينما ذهب تحليل الأسوشيتدبرس إلى أنه قد يكون بداية لتشكيل تكتل أوسع في الشرق ، بما يطرح التساؤل عن اعلان ان الولايات المتحدة لم تعد الفاعل الوحيد في المنطقة .
الأهم من الاتفاق نفسه هو ما يكشفه عن مستقبل الأمن في المنطقة..
فالعالم يتغير، ومفهوم التحالفات يتغير معه.. مع تزايد التحالفات علي خلفية اثنية دينية ، ولم تعد الدول بالضرورة أمام خيار مع هذا المحور أو ضده ، بل أصبحت تبحث عن شبكة واسعة من العلاقات والشراكات التي تحقق مصالحها وتحمي أمنها، دون أن تعني كل شراكة اصطفافًا سياسيًا كاملًا.
وفي ظل التحالفات المتنوعة تظل سياسة مصر تنطلق من المنظور الوطني لدولة مستقرة مستقلة في قرارها، ولها محددات واضحة لأمنها القومي: مصري، عربي، وإفريقي ، ولها أيضًا عدو تقليدي معروف، ومصالح وطنية لا تتغير بتغير التحالفات أو الأزمات.
أما فيما عدا ذلك، فالقاهرة لا تتعامل بمنطق المحاور المغلقة، وإنما بمنطق المصالح والشراكات المتوازنة.
نتعاون عسكريًا مع باكستان، ونجري تدريبات مشتركة معها، وفي نفس الوقت نحافظ علي علاقات متوازنة مع الهند ، ونتعاون مع تركيا عسكريًا، بل وقع البلدان أخيرًا خارطة طريق لتعزيز التعاون الدفاعي ورفع مستوي العلاقات لمستوي استراتيجي ، وفي نفس الوقت لدينا شراكات وتدريبات مع اليونان وقبرص، وتعاون ثلاثي مستمر في شرق المتوسط.
وبالتالي التعاون مع دولة لا يعني أن مصر أصبحت جزءًا من محور ضد محور بالعكس.
هذه هي بالضبط قيمة السياسة المصرية: أن تستطيع أن تتعاون مع أطراف قد تكون بينها خلافات، دون أن تتحول أنت إلى طرف في خلافاتهم.
وبالتالي، فإن السؤال عن انضمام مصر إلى تحالف السعودية وتركيا وباكستان ليس هو التحدي الحقيقي ، فمصر تحتفظ بعلاقات قوية ومتوازنة مع أطراف مختلفة، وتفتح قنواتها مع مختلف القوى الدولية وفقًا لمصالحها وأمنها القومي.
مصر لا تبحث عن موقع داخل محور، ولا تبني سياستها على الاصطفاف مع طرف في مواجهة آخر.
مصر تبحث عن موقعها كدولة مستقلة، ومركز قرار إقليمي فاعل، يحدد شراكاته وفق مصالحه وثوابته، لا وفق خرائط المحاور المتغيرة
نتشارك نتعاون لكن بوعي ان التحالفات قد تتغير، والمصالح تتبدل، والتهديدات تتطور.
وفي تقديري، هذه نقطة القوة التي يجب الحفاظ عليها ونحن نراقب إعادة تشكيل خريطة الأمن في المنطقة.
أما محددات الأمن القومي المصري، فلا ينبغي أن تتغير مع كل موجة
جديدة في الإقليم.
وهنا تكمن قوة مصر الحقيقية.
أن تكون جزءًا من المنطقة، دون أن تكون أسيرة لمحاورها