عاجل
محمود بسيوني
محمود بسيوني

المدقق في أحوال الشرق الأوسط اليوم، لا يرى مجرد سلسلة من الحروب والأزمات المتفرقة، بل يعيش لحظة فوضى تاريخية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الصراعات الجيوسياسية، وتتقاطع فيها المصالح الإقليمية مع رهانات القوى الكبرى، بينما تتراجع الحدود الفاصلة بين الحرب والسلام، وبين الدبلوماسية والمواجهة .
هى أوقات صعبة ينطبق عليها ما جاء في مقدمة كتاب "النظام العالمي"  للمفكر السياسي الامريكى الأشهر هنري كيسنجر : إن عصرنا يسعى بإلحاح، بل وأحيانًا بيأس، إلى إيجاد مفهوم للنظام العالمي، فيما تتقدم الفوضى "  وهو تشخيص دقيق لما يجرى حولنا من فوضى مصاحبة لتحول بنيوي في العلاقات الدولية، حيث لم تعد تلك الفوضى استثناءً يهدد النظام، بل أصبحت جزءًا من آليات عمله، فمع صعود قوى دولية جديدة، واتساع نفوذ الفاعلين من غير الدول، وتسارع الثورة التكنولوجية في شقها العسكري بظهور المسيرات الموجهة والطائشة ، دخل الشرق الأوسط مرحلة تتشابك فيها الأزمات، ولا تنتهي حربُ إلا وتشتعل أخرى دون حسمها لصالح أحد.
كلما تراجعت الدولة الوطنية، تمددت مشروعات المتطرفين ، فالفوضى لا تخلق فراغًا سياسيًا فحسب، بل تفتح المجال أمام القوى الأكثر تنظيمًا والأشد تطرفًا لملئه. وبالتالى، لم تعد أزمات الشرق الأوسط مجرد صراعات على حدود أو مصالح، وإنما تحولت إلى صدام بين مشروعات متنافسة، لكل منها روايته للتاريخ، وحدوده الجغرافية المتخيلة، وأدواته الخاصة لإعادة تشكيل الإقليم.
في هذا المناخ، برزت داخل إسرائيل، مع صعود بنيامين نتنياهو وتحالفاته مع اليمين المتطرف فكرة تطبيق اسرائيل الكبرى ، بينما رفع تنظيم الاخوان الارهابى  شعارات إعادة «الخلافة» وإلغاء الدولة الوطنية، ووجدت هذه الأفكار تعبيراتها المسلحة في تنظيمات مثل «داعش» و«جبهة النصرة» الخارجة من رحم الاخوان خلال سنوات الانهيار الإقليمي ، وفي المقابل، واصلت إيران بناء مشروعها الفارسى عبر توسيع دوائر النفوذ والارتكاز على شبكة ممتدة من الحلفاء والفصائل المسلحة .
ورغم التباين العميق بين هذه المشروعات في المرجعيات والعقائد والأهداف، فإنها تلتقي عند نقطة جوهرية واحدة: جميعها يتجاوز مفهوم الدولة الوطنية ويسعى إلى إعادة صياغة خرائط القوة والهوية والنفوذ في الشرق الأوسط وفق تصوره الخاص وكلا منهم استدعى رموزًا ومفردات تنتمي إلى العصور الوسطى ، بينما تدير معاركها بأحدث ما أنتجه القرن الحادي والعشرون؛ من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، إلى الذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، وحروب المعلومات. 
واضحت المنطقة رهينة صراعات لا يحسمها التفوق العسكري وحده، بل صدام المشاريع المتنافسة على هوية الشرق الأوسط ومستقبله!
وحدها مصر تقف حارسةً لمشروع الدولة الوطنية، بحكمةٍ صقلتها قرونٌ من المعارك والشدائد والمحن، ومن هذه الخبرة التاريخية تحاول أن تعيد إلى الإقليم عقله الغائب، عبر رؤية ثابتة لم تتبدل رغم تعاقب الأزمات وتغير موازين القوى، رؤية تقوم على ثلاثة مرتكزات أصبحت بمنزلة ثوابت حاكمة للحركة المصرية في قضايا الإقليم : أولها خفض التصعيد وفتح أبواب التفاوض باعتبار أن الحروب تنتهي دائمًا إلى السياسة؛ وثانيها الرفض القاطع لمشروعات المتطرفين، أيًا كانت شعاراتهم أو راياتهم ؛ وثالثها التمسك بخيار السلام العادل، واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، انطلاقًا من إدراك راسخ بأن القضية الفلسطينية ستظل السبب المباشر والجذر الأعمق لكل حرائق الإقليم الممتدة، وأن تجاهلها لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل انفجارًا جديدًا.
فى الايام الماضية حققت مصر اختراقًا سياسيًا ودبلوماسيًا بالغ الأهمية، بعدما نجحت بدعم من ادارة الرئيس الامريكى دونالد ترامب ، في انتزاع اتفاق تهدئة ظلّت الحكومة الإسرائيلية المتطرفة تراوغ في الوصول إليه وتؤجل استحقاقاته، وخاضت القاهرة معركة تفاوضية معقدة وسط ضغوط واستفزازات متزامنة من مختلف الأطراف، فأربكت حسابات جميع المتطرفين؛ سواء أولئك الذين اتخذوا من القضية الفلسطينية منصة لترويج الأكاذيب واستهداف الدور المصري، أو الذين سعوا إلى فرض أوهام التوسع الاسرائيلى ومشروعات الهيمنة. 
وقد حمل الشكر الذي وجّهه ترامب إلى مصر اعترافًا سياسيًا بقيمة الدور الذي أدّته القاهرة في لحظة كانت المنطقة تقف فيها على حافة انفجار جديد فى غزة ، فالاتفاق الذي وصفه ترامب بـ«التاريخي» كان نتاج دبلوماسية صبورة نجحت في تقديم الحلول والبدائل كلما وصل التفاوض لطريق مسدود .
الدور المصرى الناجز بالتعاون مع الوسطاء اثبت حضوره الاقليمى بالنجاح فى الوصول بغزة الى المرحلة الثانية ، وهى مرحلة لاتقتصرعلى تثبيت وقف إطلاق النار، وإنما تضع إطارًا متكاملًا لإدارة المرحلة الانتقالية داخل القطاع ، وتتضمن دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة لتولي مسؤولياتها، وبدء انتشار قوة الاستقرار الدولية، وإطلاق برامج التعافي المبكر، والشروع في إعادة إعمار القطاع، إلى جانب وضع آليات تدريجية ومتسلسلة لحصر السلاح وتخزينه، بما يضمن تنفيذ الالتزامات بصورة منظمة وتحت إشراف مؤسسات المرحلة الانتقالية.
ولا تقتصر أهمية هذه المرحلة على ما تتضمنه من إجراءات تنفيذية، بل فيما تعكسه من تحول في طبيعة إدارة الأزمة نفسها؛ فبعد أن كانت الأولوية خلال الأشهر الماضية تدور حول احتواء العمليات العسكرية ومنع اتساعها، أصبح النقاش ينتقل تدريجيًا إلى إدارة اليوم التالي للحرب، وبناء مؤسسات قادرة على استعادة الاستقرار. وهذا التحول يمثل نجاحًا سياسيًا للدبلوماسية المصرية، لأنها نجحت في نقل الملف من منطق إدارة الصراع إلى منطق إدارة التسوية، وهو الانتقال الأكثر صعوبة في جميع النزاعات الممتدة.
يظل البعد الإنساني هو الأكثر أهمية في هذا الاتفاق، فغزة التي أنهكتها الحرب لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل تحتاج إلى استعادة الحياة وملايين الفلسطينيين ينتظرون العودة إلى منازلهم، أو ما تبقى منها، وينتظرون إعادة فتح المدارس، وتشغيل المستشفيات، وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه، وإعادة تأهيل الطرق والبنية الأساسية، وخلق فرص عمل تعيد الاقتصاد المحلي إلى الحركة بعد شهور طويلة من التدمير والتوقف.
نجاح تنفيذ الاتفاق يعني بداية مسار جديد لإعادة إعمار القطاع، ليس فقط من خلال إعادة بناء المباني والمنشآت، وإنما أيضًا عبر إعادة بناء المؤسسات، واستعادة الخدمات، وتحسين الظروف المعيشية، وتوفير بيئة تمنع تكرار دوائر العنف، وتدعم بقاء الفلسطينيين على أرضهم، وهو ما يتوافق مع الموقف المصري الثابت و الرافض لأي محاولات لتهجير سكان القطاع  أو فرض واقع جديد على الأرض.
ولهذا فإن إعادة الإعمار لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مشروعًا هندسيًا لإصلاح ما دمرته الحرب، وإنما باعتبارها مشروعًا سياسيًا واستراتيجيًا لحماية التواجد الفلسطينى على الارض ، فكل مدرسة يعاد افتتاحها، وكل مستشفى يعود إلى العمل، وكل أسرة تستقر في منزلها، يمثل خطوة عملية في مواجهة سيناريوهات التهجير والفوضى، ويجسد الانتصار الحقيقي للرؤية المصرية التي أصرت منذ اليوم الأول على أن بقاء الفلسطينيين فوق أرضهم هو الضمانة الأساسية لحماية القضية الفلسطينية.
ويصعب قراءة هذا التقدم بمعزل عن عاملين تلاقيا في لحظة فارقة؛ أولهما إصرار إدارة الرئيس دونالد ترامب على إنهاء الحرب وعدم السماح بانزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، وثانيهما الثقة في قدرة الرئيس عبد الفتاح السيسي على قيادة المسار التفاوضي إلى نقطة التوافق، بالتنسيق مع الشركاء في قطر وتركيا، فقد أدركت واشنطن أن إنهاء واحدة من أعقد أزمات المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر القاهرة، بما تمتلكه من ثقل سياسي، ومصداقية لدى مختلف الأطراف، وخبرة متراكمه في إدارة الملف الفلسطيني.
فى الوقت وضع الاتفاق نتنياهو واليمين الاسرائيلى المتطرف فى مأزق ، وبحسب تحليل للكاتبين آرون ديفيد ميلر ودانيال كيرتزر في مجلة فورين بوليسي، فإن الرئيس ترامب يتمتع بشعبية داخل إسرائيل تفوق شعبية نتنياهو، وهو ما يجعل أي مؤشر على تراجع دعمه لنتنياهو عاملًا قد يؤثر في المشهد السياسي الإسرائيلي ، غير أن جوهر المسألة لا يكمن في وجود خلاف شخصي بين الرجلين، بقدر ما يتمثل في انتقال واشنطن من سياسة الدعم غير المشروط إلى الدعم المرتبط بتحقيق أهداف أمريكية، وفي مقدمتها إنهاء الحرب في غزة، ومنع اتساع الصراع إقليميًا، فى ظل وجود حرب فعلية مع ايران ،وتحقيق إنجاز دبلوماسي يعيد ترتيب البيئة الأمنية في الشرق الأوسط ، ويعيد للبيت الابيض بعضا من شعبيته ، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية ان تتجه بقوة نحو تنفيذ الاتفاق، رغم تحفظات نتنياهو وحكومته .
نحن لسنا امام اتفاق يرعاه الرئيس الامريكى بل نقطة تحول في آلية إدارة التحالف الأمريكي الإسرائيلي؛ فبدلًا من اقتصار الدور الأمريكي على تقديم الضمانات، أصبحت واشنطن تحدد الإطار الزمني والمسار السياسي لإنهاء الحرب، بينما يجد نتنياهو نفسه أمام ضغوط متزامنة: ضغوط أمريكية للمضي في تنفيذ خارطة الطريق، وضغوط من اليمين الإسرائيلي الرافض لتقديم تنازلات، وحسابات انتخابية داخلية تحد من هامش المناورة. 
ورغم استمرار الدعم الاستراتيجي الأمريكي لإسرائيل، فإن النقاش لم يعد يدور حول مستقبل هذا التحالف، وإنما حول مدى قدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها لإنهاء الحرب على المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية، وإذا نجحت إدارة ترامب في تمرير خارطة الطريق، فإن ذلك سيعني إعادة تعريف النفوذ الأمريكي من مجرد تقديم الدعم إلى التأثير المباشر في توقيت وكيفية إنهاء الحروب، أما إذا تعثرت الخطة، فسيؤكد ذلك أن النفوذ الأمريكي، رغم قوته، يظل مقيدًا بتوازنات السياسة والأمن داخل إسرائيل.
الايام القادمة تحمل اختبارًا لصراع بين مشروعين فى الشرق الاوسط ؛ مشروع متطرف يؤمن بأن القوة وحدها تصنع المستقبل، ومشروع تؤمن به مصر، يرى أن استقرار الشرق الأوسط لا يبنى إلا بالدولة الوطنية، والشرعية، والتفاوض، والسلام العادل، وربما يكون الدرس الأهم أن الحروب قد تفرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تصنع نظامًا إقليميًا مستقرًا، ولذلك لم تربك القاهرة حسابات المتطرفين في هذه الجولة فحسب، بل أعادت التأكيد أن الحكمة، في لحظات الفوضى الكبرى، تظل القوة الأكثر تأثيرًا والأبعد أثرًا.

تم نسخ الرابط