لم يكتفِ الإسلام بتحريم الرشوة وبيان قبحها، بل توعَّد أطرافها بأشد أنواع الوعيد؛ لأنها جريمة تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره، فتضيع بها الحقوق، وتُهدر بها الطاقات، وتُشترى بها الذمم، ويُقدَّم بها غير المستحق، ويشيع بسببها الظلم والفساد. ومن هنا كان الجزاء من جنس العمل؛ فكما أفسدت الرشوة حياة الناس في معيشتهم، كانت سببًا للعذاب في الدنيا والآخرة.
أما عذاب الآخرة، فقد جاء فيه الوعيد الصريح؛ فعن النبي ﷺ قال: «الراشي والمرتشي في النار»، وقال أيضًا: «لعن الله الراشي والمرتشي». واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى، ولا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب.
كما توعَّد النبي ﷺ الذي يأخذ الرشوة، ويجور في حكمه، ويحابي من دفع له، فقال ﷺ: «من وُلِّي على عشرة يحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا، جِيءَ به يوم القيامة مغلولةً يده إلى عنقه، فإن حكم بما أنزل الله، ولم يرتشِ في حكمه، ولم يَحِفْ، فكَّ الله عنه غُلَّه يوم القيامة، وإن حكم بغير ما أنزل الله تعالى، وارتشى في حكمه، وحابى، شُدَّت يساره إلى يمينه، ثم رُمي به في جهنم».
وأما عذاب الدنيا، فإن الرشوة سبب لنزول العقوبات العامة، وذهاب الأمن النفسي والمجتمعي، وانتشار الخوف بين الناس؛ لأن المجتمع الذي تُباع فيه الأحكام، وتُنتحل فيه صفات القضاة، وتُشترى فيه الحقوق، لا يمكن أن ينعم بالاستقرار. قال رسول الله ﷺ: «ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أُخذوا بالسَّنة، وما من قوم يظهر فيهم الرِّشا إلا أُخذوا بالرعب»؛ أي إن الله يسلط عليهم الخوف والقلق، وتفشو بينهم الفتن، وتضطرب أحوالهم؛ لأن الظلم إذا انتشر ارتفعت البركة، وحلَّت العقوبات.
وقد قرر القرآن الكريم هذه السنة الإلهية في مواضع كثيرة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿واتقوا فتنةً لا تُصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة﴾.
وقد جعل الإسلام الشفاعة الحسنة بابًا من أبواب الإحسان والتعاون على البر، يُقصد به قضاء حوائج الناس، وتفريج كرباتهم، وإعانتهم على الوصول إلى حقوقهم المشروعة، دون انتظار مقابل أو منفعة. قال تعالى: ﴿من يشفع شفاعةً حسنةً يكن له نصيبٌ منها﴾.
وكان رسول الله ﷺ إذا جاءه السائل في مسألة مشروعة، أو طُلبت إليه حاجة، قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء».
غير أن هذه العبادة الجليلة قد تنحرف عن مقصدها إذا تحولت إلى وسيلة للكسب غير المشروع وجمع الأموال بغير وجه حق؛ فيستغل بعض الناس مكانتهم، أو مواقعهم، أو علاقاتهم، أو نفوذهم لقضاء مصالح الآخرين مقابل هدية أو مال، فيصبح المعروف تجارة، والشفاعة سلعة تُباع وتُشترى، وهذا من صور الرشوة التي نهى الشرع عنها.
وقد حذر النبي ﷺ من هذا المسلك فقال: «من شفع لأخيه شفاعةً فأهدى له هديةً عليها فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا»؛ لأن اشتراط الهدية، تصريحًا أو تلميحًا، مقابل الشفاعة، يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس والإحسان.
ومن هنا ينبغي أن تبقى الشفاعة بابًا للإحسان، لا وسيلةً للاتجار بالنفوذ، وأن يبتغي المسلم بوساطته وجه الله تعالى، لا حظًّا من حظوظ الدنيا الفانية؛ فإن أعظم ما يرفع الناس قدرًا عند الله أن يجعل الإنسان جاهه ومنزلته في خدمة الناس ابتغاء مرضاته، لا في استغلال حاجاتهم لتحقيق مكاسب دنيوية.
قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾.