عاجل

ما أقسى أن ينتهي الزواج خاصة ان كان ظلم احد الزوجين سببا في انتهاء هذه العلاقة الزوجية .. ولكن الأكثر قسوة منه أن يتحول الأبناء إلى ضحايا لمعركة لا ذنب لهم فيها.
فالطلاق قد يكون نهايةً لعلاقة زوجية، لكنه لا ينبغي أن يكون نهايةً للرحمة، ولا بدايةً لحربٍ يستخدم فيها كل طرف أبناءه وسيلةً للضغط أو الانتقام أو التشويه.
ومن المؤلم أن نرى طفلًا يُحرم من أبيه، أونجد ٱخر يُزرع في قلبه كرها لأمه، أو يعيش ممزقًا بين والدين كان من واجبهما أن يكونا مصدرًا للأمان والاستقرار له، فإذا بهما يتحولان إلى مصدرٍ للخوف والقلق.
لقد وضع الإسلام منهجًا راقيًا في إدارة الخلافات الزوجية، حتى عند الفراق، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. وقال سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
فحتى عند انتهاء الحياة الزوجية، يبقى المعروف والإحسان هما الطريق الذي أمر الله به.
ومن صور الظلم التي انتشرت بين كثير من الناس بكل اسف أن يُستخدم الابن أداةً للانتقام؛ فيُمنع من رؤية أبيه، أو تُشوَّه صورة أبيه أو أمه أمامه، أو يُحمَّل ما لا يحتمل من مشاعر الكراهية والخصومة. وهذا كله يخالف مقاصد الشريعة التي جعلت مصلحة الأبناء فوق نزاعات الكبار مهما كان سبب النزاع الزوجي.
لذلك فلقد حذر رسول الله ﷺ من أن ينسي الزوجين مصلحة الأبناء في نزاعاتهم فتضيع مصالحهم حيث قال ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يعول». فهذا الحديث يجعل رعاية الأبناء، ماديًا ونفسيًا وتربويًا، أمانةً عظيمة، والتفريط فيها من كبائر الذنوب. وليس الضياع قاصرًا على ترك النفقة فحسب، بل يشمل إهمال التربية، وحرمان الطفل من الحنان، أو إشعاره بأنه جزء من الخلاف، أو تعمد إفساد علاقته بأحد والديه.
لذلك يجب علي الاب والام أن يحفظها مسؤولياتهم تجاه أولادهم عند الزواج وعند الطلاق فلايفرق بين الأبناء بحجة محبة أحد الأبناء للأب أو الام كما في حديث رسول الله ﷺ: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم».
والعدل لا يكون في العطايا فقط، بل في المشاعر، والحقوق، وعدم استغلال الأبناء لتحقيق مكاسب شخصية.
إن الأب الحقيقي لا يجعل ابنه سلاحًا، والأم الصالحة لا تجعل ابنتها وسيلةً للانتقام. بل يتسابق كلاهما إلى حفظ نفسية الأبناء، وإبعادهم عن تفاصيل الخلافات، وإشعارهم بأن حب الأب والأم لهم لا يتغير مهما تغيرت العلاقة بين الزوجين.
ولنتذكر دائمًا أن الطفل لا ينسى، وأن الكلمات التي يسمعها اليوم قد تبقى جراحًا في قلبه سنوات طويلة. وربما يغفر الزوج لزوجته، أو الزوجة لزوجها، لكن الأبناء قد يحملون آثار تلك المعارك العمر كله.
فلنتقِ الله في أولادنا، ولنجعل الطلاق - إن وقع - طلاقًا بإحسان، لا انتقامًا وعدوانًا. فحفظ حقوق الأبناء عبادة، وصيانة نفوسهم مسؤولية، ومن أحسن إليهم أحسن الله إليه، ومن ظلمهم أو ضيّعهم فقد عرّض نفسه لسؤال الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

الشيخ خالد الجمل
الخطيب بالأوقاف والداعية الإسلامي

تم نسخ الرابط