عاجل

​إن الناظر بعين البصيرة في سفر الوجود، المتأمل في صحائفه المطوية بين دفتي الأزل والأبد، يدرك في غير عناء أن هذا الكون الرحيب ليس إلا كتاباً مسطوراً، تتنزل آياته في كل طرفة عين، وتتوالى كلماته في بحر من النور لا يغيض في آياته ولا ينقضي في عجائبه. ولعلنا نلحظ أن العقل البشري منذ فجر التاريخ يقف حائراً أمام لغز "الكلمة"، يتلمس في طياتها مفهوماً وماصدقاً لسر الخليقة وكنه الوجود، ويبحث في حروفها عن ذلك الخيط الخفي الذي يربط عالم الغيب بعالم الشهادة، والروح بالمادة، والمطلق بالمقيد. وإنك لترى في أنين الناي وحفيف الشجر، كما ترى في توهج النجوم وحركة الذرات، حروفاً تتناجى ولغات تتخاطب، كأنما الوجود بأسره قصيدة كبرى نظمها بارئها بحروف من حياة ونبرات من نور. وفي خضم هذه الحيرة الوجودية، والتوق الكوني لفك أسرار الوجود، ينبثق أمامنا نهران معرفيان، يبدوان في الظاهر متباعدين كالمشرق والمغرب، ولكنهما في الجوهر ينبعان من مشكاة واحدة وأصل واحد؛ نهر العرفان الروحي الذي تجلى في أبهى صوره في مدونات كبار أهل الحقيقة، ونهر العلم الرياضي الصوري الذي تمخضت عنه لغات البرمجة الحديثة في عصرنا الرقمي. إن الجمع بين هذين الضدين ظاهرياً، والغوص في سيمياء "الحرف" الصوفي و"الكود" الرقمي، ليفتح أمام العقل المتفلسف آفاقاً ملهمة، ترتعد لها فرائص الفكر، وتدمع لها عين البصيرة، حين نكتشف أن ما يفعله المبرمج اليوم في شاشته الجامدة، ليس إلا رجع الصدى، ومحاكاة قاصرة، لذلك الفعل التكويني الإلهي الذي طالما تغنى به أرباب الشهود في خلواتهم.
​فإذا يممنا شطر التجربة الروحية العميقة، وجدنا العارف لا ينظر إلى "الحرف" بوصفه علامة صوتية ميتة، أو رسماً اصطلاحياً جافاً تواضع عليه البشر في مقاربات حياتهم، بل يرى فيه كائناً حياً، بل "أمة من الأمم"، لها تكليفها وتسبيحها وسجودها؛ بيد أننا نقف على أعتاب الحقيقة والكنه عاجزين. فالحرف في الفلسفة الروحية هو تجلٍ من تجليات "النفس الرحماني"، ذلك الجوهر الساري في شرايين العدم، الذي يحمل إرادة الإيجاد من رحم الغيب إلى تكونات الشهادة. إن الحروف في فقهها العرفاني هي طاقات تكوينية، ومقادير هندسية روحانية، تتشكل منها حقائق الموجودات. فالألف ليست مجرد خط مستقيم، بل هي رمز القيام الإلهي وسر الاستواء، والباء ليست مجرد منحنى تحته نقطة، بل هي حجاب الكثرة ومبدأ البدايات، وبنقطتها يتميز العابد عن المعبود. هذه النظرة الماورائية للحرف تجعل من الأبجدية خريطة وراثية للكون بأسره، فكما تترتب الحروف لتصنع نصاً مقروءاً، تترتب جواهر الأسماء الإلهية لتصنع كائناً مشهوداً. وهذا الترتيب ليس من خطرات الفكر وفلتات الطبع، بل يخضع لهندسة رياضية حاكمة ومحكمة، أدركها فلاسفة الإسلام وحكماؤهم الذين زاوجوا بين جلال الرياضيات وجمال العرفان، فرأوا في الأعداد والحروف أسراراً تتجاوز قيمتها الكمية، لتلامس مراتب الوجود صعوداً ونزولاً، في تناغم بديع يسبح بحمد الواحد الأحد الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
​وإذا كان هذا هو شأن الحرف في معارجه الروحانية، فكيف يبدو وجه الحقيقة فيه حين ننتقل إلى ضفة أخرى من نهر الزمن، وتحت أضواء الحداثة المبهرة؟ لقد أتى على الإنسان حين من الدهر فاستيقظ على ثورة "الكود" الرقمي ولغات البرمجة الصورية، ولئن كان الناظر إلى قشور المرائي يرى في هذه الخوارزميات مجرد طلاسم تقنية وأدوات نفعية لتشغيل الآلات الصماء، فإن الفيلسوف المتأمل، الذي يغوص وراء الظواهر ليستنطق حقائق الأشياء طلباً للغوص في أعماقها، يرى في بنية الكود البرمجي تجسيداً مادياً مذهلاً لمقولات الفلسفة الأولى. ولعمري فإن لغات البرمجة في صميمها تعتمد على النظام الثنائي (الصفر والواحد)، وهو نظام يختزل الوجود كله في حالتين أنطولوجيتين: العدم (الصفر) والوجود (الواحد). ومن خلال تذبذب هذا العدم والوجود بملايين المرات في الثانية الواحدة، تتخلق العوالم البرمجية المعقدة، والصور الافتراضية، والذكاءات الاصطناعية. وهنا تكون ثورة الفكر: ألا يذكرنا هذا النبض الخوارزمي العجيب بنظرية "تجدد الخلق في كل آن" التي قال بها العرفاء والمتكلمون؟! إن الشاشة التي تضيء وتنطفئ بومضات الإلكترونات، لتظهر أمامنا كوناً مرئياً من العدم، وحقيقة الأمر وواقعه أن هذا الفعل محاكاة فيزيائية مصغرة لفكرة "التجلي الإلهي" الدائم، حيث تنعدم الأعراض وتُخلق من جديد في أزمنة متناهية الصغر لا يدركها البصر، فيبدو العالم مستقراً أمامنا وهو في حقيقته بحر يموج بالتجدد والانمحاء يمر مر السحاب.
​هنا تتجلى سيمياء المقارنة في أبهى صورها؛ فالمبرمج حين يجلس أمام شاشته، يكتب سطوراً من "الكود"، وهو في ذلك يمارس فعلاً يشبه إلى حد بعيد "التكلم التكويني" بحسب ما يليق بقصور قدرته ومحدودية علمه. فالسطر البرمجي ليس وصفاً لواقع قائم، بل هو "أمر إنجازي" يظهر واقعاً جديداً. وفي لغات البرمجة كذلك، عندما يكتب المبرمج أمر التشغيل لمتغير جديد، فإنه يصدر أمر إظهار في عالمه الافتراضي الصغير، فتستجيب له الآلة طائعة غير مكرهة، لتخرج الفكرة من حيز العقل المجرد إلى حيز الوجود العيني داخل الذاكرة الحاسوبية. وكما أن الحرف في علم العرفان له باطن غيبي وظاهر شهودي، فإن الكود البرمجي ينقسم إلى مستوى عالٍ قريب من الفهم البشري والنية العاقلة، ومستوى أدنى يترجم تلك النية إلى نبضات كهربائية مادية بحتة. وما "المترجم البرمجي" في عالم الحاسوب إلا برزخ تقني، يشبه "الخيال المتصل" في الفلسفة الروحية والحكمة المتعالية، حيث تتجسد المعاني المجردة في صور حسية، وتتحول الأوامر اللامادية إلى حركة وإنجاز في عالم الواقع.
​ولا يقف التطابق المدهش عند حدود التنظير الأنطولوجي، بل يتجاوزه إلى صميم البنية اللغوية والدلالية، حيث يبرز التمييز الدقيق بين "المبنى" و"المعنى". ففي لغات البرمجة، يفرق المهندسون بين الخطأ النحوي الصوري الذي يوقف عمل الكود تماماً لمنعه من التوافق مع قواعد الآلة، وبين الخطأ الدلالي المنطقي الذي يجعل الكود يعمل ظاهرياً ولكنه لا يحقق مراد المبرمج في إيقاع الألفاظ على دلالاتها مطابقة وتضمناً والتزاماً، بل قد يفضي إلى نتائج كارثية. أليس هذا التقسيم التقني هو ذاته ما حذر منه سادتنا من أهل الإشراق والعرفان حين فرقوا بين "صورة الذكر" و"روحه"؟ إن الحرف المنطوق باللسان، الخالي من حضور القلب ويقظة الوجدان، هو بمثابة كود سليم المبنى معطل المعنى؛ قد تتردد أصداؤه في جنبات الفضاء الحسي، لكنه يفتقر إلى طاقة "الإمداد" الروحية التي تفتح مغاليق السماوات. وبعد: إن الكلمة الطيبة لا تصعد إلى بارئها إلا إذا اقترن نطقها بقصدها، تماماً كما لا يُنتج الكود البرمجي واقعه الافتراضي إلا إذا تطابقت بنيته النحوية مع غايته المنطقية.
​وإذا أمعنّا النظر في آليات العمل البرمجي، نجد أن أجلّ أدواته تتمركز حول "الحلقات التكرارية" والدوال ذات "الاستدعاء الذاتي"، حيث يعود الكود ليستدعي نفسه في دوائر متعاقبة حتى يبلغ غايته. هذا البناء الهندسي يضعنا مباشرة أمام صورة مصغرة لدوائر التسبيح الكوني ودوران الممكنات حول قطب الوجوب. فكما أن الدالة البرمجية تكرر نداءها الداخلي لتنجز المهمة التي وُجدت لأجلها، نرى الكائنات في عالم الشهادة تردد أنفاس التسبيح في حلقات لا تتناهى في حصرها وحدها، وكل موجود يستدعي سره المكنون ليعود إلى أصله. فالطواف حول الكعبة، وحركة الأفلاك، وتكرار الذكر في الخلوات، ليست سوى تجليات كونية لهذه "الحلقات" التي تحفظ توازن الوجود، وتمنع النظام الكوني من الانهيار؛ فما البرمجة في أعماقها إلا محاولة لاستنساخ هذا الإيقاع الدائري الذي يربط البدايات بالنهايات.
​غير أن هذا النظام، سواء في معراجه الروحي أو تنزله الرقمي، ليس بمنأى عن النظر في حقيقته. ففي عالم البرمجة، يقف "الخطأ البرمجي" كعلة خفية تتسرب إلى أحشاء النظام، فتفسد انسجامه، وتقيد حركته، وقد تحيله إلى فوضى عارمة. 

وما أشبه هذه العلة البرمجية في عالم الآلة بما يسميه أهل العرفان بـ "الأغيار" أو "الحجب الروحية" والعلل النفسية التي تتسلل إلى قلب السالك، فتقطع عليه طريق الوصل، وتمنع نور الحرف من السريان في كيانه. إن الفيروس الذي يضرب الكود فيعطل وظيفته، هو المعادل المادي للهوى الذي يضرب الإرادة الإنسانية فيعطل مسيرها نحو الحق سبحانه. وكما يتطلب النظام الرقمي عملية "تنقيح" مستمر لتطهير الشفرة من الشوائب، فإن النظام الروحي للإنسان يفتقر إلى "تزكية" دائمة ومجاهدة مستمرة، لتصفية القلب من شوائب التعلق بالأغيار وحظوظ النفس، حتى يعود مرآة صافية تتجلى فيها أنوار المعاني.
​ولكن، لكيلا ننجرف في تيار النشوة الأدبية التي تبكي أمام عظمة الكون، وتذوب في شجن التأمل الرومانسي، يجب أن نحتكم إلى قوة الميزان الأخلاقي والمقاربة الائتمانية الصارمة. 

إن المقاربة بين عرفان الحرف وخوارزمية الكود لا ينبغي أن تعمينا عن الفارق الجوهري بين "العقلانية المؤيدة" التي تحكم النص الوجودي، و"العقلانية الأداتية" التي تحكم النص البرمجي. فالحرف الصوفي، باعتباره طاقة تكوينية، هو حرف "مؤتمن"، يحمل في طياته قيم الحق والخير والجمال؛ لأنه صادر عن الإرادة الإلهية الحكيمة. فهو حرف موصول بينابيع الرحمة، غايته إيصال السالك إلى مقام القرب والتزكية. أما الكود الرقمي، فهو طاقة إظهارية صناعية، مقطوعة الصلة عن البعد الغيبي، ما لم يقم المبرمج بوصله أخلاقياً. فالعوالم الافتراضية التي يخلقها الكود هي عوالم مسطحة، تفتقر إلى "الروح"، لأن مبتكرها البشري يمتلك القدرة على "الإظهار المادي" أو الصوري، ولكنه يفتقر إلى القدرة على "نفخ الروح" فيه. وهنا تكمن الأزمة الوجودية الكبرى لإنسان العصر الحديث؛ فقد نجح في استنساخ الفعل التكويني من خلال لغات البرمجة، وبنى أكواناً من المعلومات والذكاءات، لكنه وقف حسيراً كسيراً أمام مسؤولية هذا التكوين، فصارت أكوانه الرقمية وحوشاً تقنية تهدد كينونته، لأنها بُنيت بخوارزميات منطق جامد، وغاب عنها دفء "الكلمة الطيبة" ونور "الحرف القرآني".
​إن النظرة الفلسفية العميقة، التي تستمد نسجها من حكمة التشريع ورصانة الفكر الإسلامي الأصيل، تدعونا اليوم إلى إرساء "فقه ائتماني للبرمجة". فإذا كان السالك يروض نفسه بالرياضات الروحية قبل أن يتفوه بحرف من حروف الاسم الأعظم، خيفة أن يحترق بنور الجلال، فإن المبرمج المعاصر الذي يقبض على ناصية التشفير، ويخلق عوالم الذكاء الاصطناعي التي بدأت تناطح الإدراك البشري، مطالب بأن يروض عقله بالقيم الأخلاقية قبل أن يكتب كوداً برمجياً واحداً. فالكود ليس مجرد أداة محايدة، بل هو "قصد متجسد"، وهو طاقة وجودية تتسرب إلى شرايين المجتمعات، فتصوغ أفكارها، وتوجه سلوكياتها، وتراقب أنفاسها. لذا نحن بحاجة إلى أن نزاوج بين الدقة الرياضية التي علمنا إياها الفلاسفة الإشراقيون، وبين الوجدان الإنساني الذي يعمر قلب العارفين، لنصنع "أكواداً" تسبح بحمد الله في صمت أجهزتها، لا أكواداً تستعبد الإنسان وتسلبه حريته الفطرية.
​وخلاصة القول ومآله، أننا ونحن نقف على مشارف أزمنة تتداخل فيها المعطيات التقنية بأرواحنا، ندرك أن التحدي القادم للبشرية ليس في مضاعفة القدرة الحسابية للخوارزميات، بل في "أنسنة الكود"، وفي مدى قدرتنا على نقل "الأمانة" الأخلاقية إلى هذه الكيانات الرياضية الجبارة. من نقطة الباء التي انبجس منها نور التكوين الأكبر، إلى الصفر والواحد اللذين تتخلق منهما أكواننا الرقمية، تسري حقيقة الإرادة الفاعلة المنفعلة. غير أن الحرف سيظل أبداً يسبق الكود، والروح ستظل أبداً تعلو على المادة. فالكود مهما تعقدت خوارزمياته، سيظل محصوراً في شاشته، ينتظر إكسير الحياة من لمسة إنسانية تحمل نية صادقة. أما الحرف، المنبثق من أنفاس الرحمة، فهو يبني عوالم لا تفنى ولا تبيد. ولعمري، هل يأتي زمان يدرك فيه مبرمجو الأرض أن سطورهم التي يرقمونها في ظلمة الليل، ليست إلا صدىً ضعيفاً لقلم القدر الأعلى؟ وهل يدركون أن الكود الأعظم، لا يُكتب بلغة الآلة، بل يُكتب بلغة الحب والتسليم لرب العالمين؟ إنها رحلة العقل من الكثافة إلى اللطافة، ومن الصنعة إلى الصانع، رحلة لا تنتهي إلا حيث بدأت؛ عند الكلمة الأولى، والحرف الأول، حيث لا مكان ولا زمان، بل تجلٍ محض، ونور على نور، وسبحان من يهدي لنوره من يشاء.

تم نسخ الرابط