عاجل

​بداية، لن أتطرق لتفاصيل أمر يبحثه القضاء أيًا كانت نتيجة التحقيقات، إدانة كانت أو غير ذلك، ولكن بنظرة عامة على العلاقة بين النصب والطمع، وبما أن أشكال النصب والاحتيال عديدة ومتطورة ومواكبة لكل عصر، فلا أدري لماذا ومع كل إعلان عن حالة نصب أسرع باستدعاء المثل الشعبي الذي قاله لي والدي قبل زمن بعيد ولا يزال عالقًا في ذاكرتي بثبات عندما قال لي: "النصاب له ألف طماع"، ومن يومها وأنا لا ولم تأخذني يومًا رأفة ولا حزنًا على المنصوب عليهم والمُضلَّلين تحت أي مبرر يسوقونه.
​ومن هنا يجب التأكيد على الفرق بين الحرامي والنصاب كما نعلمه جميعًا؛ الحرامي من يضع يده في جيبك، أما النصاب فتضع أنت يدك في جيبه بكل رضا وترجٍّ ليقبل منك عطيتك. والعطية هنا بكل يقين لا يقبل شبهة الشك لا تعدو كونها أمرًا غير شرعي ولا قانوني، وإلا لماذا وضعت القوانين المنظمة حتى وإن شابها عوار؟ فليست كل القوانين الوضعية عادلة، إلا أن العمل بها واجب لا مفر منه لحين تعديلها إن رأت الأغلبية ذلك، فقانون يصيبه عوار أفضل مئات المرات من فوضى عادلة؛ لأن القانون السماوي والبشري وُضعا لتنظيم الحياة على الأرض، إذن أي فعل ينحرف عن المسارات المنظمة فهو أمر مخالف للقانون، وإلا لما لعن الله الراشي والمرتشي وجرّم القانون أيضًا الطرفين.
​وهنا نقترب أكثر من وضع فعل المنصوب عليهم في إطاره الصحيح: "فعل مخالف"، وذلك قبل أن ننتقل إلى النصاب نفسه؛ فالنصاب ما هو إلا صياد يرمي شبكته في بحر الطماعين والمخالفين. هناك من يرى أن الحاجة هي التي تدفع البعض لسلوك هذه المسارات فهم ضحايا، والرد على هذا الطرح يختصر في كلمتين: "الغاية لا تبرر الوسيلة". حاجتك للشيء وعدم حصولك عليه ليس بالضرورة ظلمًا يستوجب منك أن تقابله بالمخالفة، وتخرج من دائرة المُطالِب بالحق إلى دائرة مغتصِبه، هذا إن حصلت عليه.
​ولا يزال الحديث يدور داخلي حول من يسمون أنفسهم ضحايا النصب؛ هناك شعرة بين من نصب عليك من واقع امتلاكه لما تطلبه، وبين من نصب عليك من واقع انتحاله لصفة المالك لما تطلبه، الأولى يمكن أن تسمى ضحية والثانية تسمى شريك. لماذا؟ لأن عقيدة القانون لا تحمي المغفلين، هكذا علمونا، والمغفل هو من غفّل نفسه وأعماها واستجاب لمن يبيع له الهواء؛ فالغفلة نارٌ وقودها الطمع، كلما زاد طمعك زادت غفلتك فلم تعد ترى أمامك، ويأتيك الباطل واضحًا كالشمس وتقول: "كلا، إنه الحق الساطع!"، فأنت بذلك تستعيد حقك المسلوب وفقًا لمعتقدك وحدك، أو تسعى لاغتصاب ما ليس بحقك.
​كلا يا عزيزي، وعيك وعقلك أنت المسؤول عنهما، النصب جريمة لها طرفان أنت أحدهما، لو لم يجدك النصاب طماعًا أو مغفلًا "عفوًا" أو جاهلًا لما نصب عليك. خالفت القانون وتطالبه اليوم بأن يعيد لك حقك، حقك ولا أحد ينكره عليك، لكن تحمَّل أيضًا مسؤولية ما فعلت، لا تنتظر أحدًا يشفق عليك، حاسب نفسك وراجعها، شغل مخك قليلًا، كن مستقيمًا تنجو، ولا تكن لبنة في بناء نصاب.
​أما النصاب فمهما بلغت حيله لا بد أن يقع، لا بد أن يجد أحدًا واعيًا يكشف أمره، لا بد أن يخطئ، وربك يمهل ولا يهمل، وإلى أن يحدث ذلك يجب على المجتمع أن يعمل على نشر الوعي لا الجهل، أن يحارب الخطأ بكل جرأة وعقل لا بالبلطجة، أن يعلم أن ما بُني على باطل فهو باطل، وكل باطل زائل.

تم نسخ الرابط