عاجل

تمر أمتنا، في هذه المرحلة الدقيقة، بجملة من التحديات والمتغيرات التي تستهدف أمنها واستقرارها، وتسعى إلى إضعاف تماسكها وزرع الفرقة بين أبنائها. ففي زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتعاظم فيه التحديات، وتتنوع فيه وسائل التأثير على العقول والوجدان، تصبح وحدة الأمة وتماسكها من أعظم الواجبات الشرعية والوطنية.

فالأمة التي تتفرق كلمتها، وتتنازع قلوب أبنائها، تفتح للأعداء أبوابًا لم يكونوا ليبلغوها لو بقيت صفوفها متراصة، وقلوبها متآلفة، وإرادتها واحدة.

ولم يعد خافيًا أن الأعداء يدركون أن قوة الأمم لا تكمن في كثرة عددها أو وفرة إمكاناتها فحسب، وإنما في وحدة صفها، وترابط أبنائها، وقدرتهم على تجاوز الخلافات والالتفاف حول القواسم المشتركة.

فتاريخ الأمم يعلمنا أن الأعداء كثيرًا ما عجزوا عن هزيمة الشعوب المتماسكة بالقوة العسكرية، فلجؤوا إلى إثارة الفتن، وتأجيج الخلافات، ونشر الشائعات، واستغلال وسائل الاتصال والإعلام لبث الكراهية، وإشاعة اليأس، وضرب الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

وفي ظل الثورة الرقمية، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة تتدفق منها الأخبار الصحيحة والمغلوطة معًا، ولذلك فإن الوعي بخطورة هذه المخططات، وبخاصة الوعي الرقمي، أصبح ضرورة، كما أن الرجوع إلى المصادر الرسمية الموثوقة يُعد سلوكًا حضاريًا يحمي الفرد والمجتمع؛ لأنه يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المخططات.

فالمحافظة على وحدة الأمة ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل هي واجب ديني ووطني وأخلاقي يشترك فيه الجميع، فكل كلمة تدعو إلى الألفة، وكل موقف يجمع الصفوف، وكل عمل يحترم الصالح العام، هو لبنة في بناء وطن قوي متماسك.

فلقد أثبتت تجارب التاريخ أن الشعوب التي التفت حول أوطانها في أوقات الشدائد كانت أقدر على تجاوز الأزمات، وأن المجتمعات التي فرقتها الشائعات والأخبار الزائفة دفعت أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها وتنميتها.

فلنجعل من وحدتنا مصدر قوتنا، ومن تعاوننا سبيلًا لنهضتنا، ولندرك أن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، وأن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها المتكاتفين، وقلوبهم المتآلفة، وإرادتهم الصادقة في حماية أوطانهم وصون مقدراتها، حتى تظل عصية على محاولات التفريق، قوية بوحدتها، عزيزة بتلاحم أبنائها، قادرة، بإذن الله، على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.

ولقد أكد الإسلام، منذ بزوغ فجره، أن قوة الأمة لا تُقاس بعدد أفرادها، ولا بحجم إمكاناتها المادية وحدها، وإنما تُقاس بمدى تلاحمها وإجماعها على الحق. ولذلك جاءت آيات القرآن الكريم وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم مؤكدة أن الوحدة ليست خيارًا تكميليًا، بل فريضة شرعية وسببًا من أسباب النصر والتمكين.

قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ [آل عمران: الآية 103].

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ [سورة الأنفال: الآية 46].

وقال صلى الله عليه وسلم، فيما أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

وهذه النصوص ترسم منهجًا متكاملًا لبناء المجتمع، والوحدة ليست شعارًا يُرفع، وإنما هي سلوك عملي يقوم على التعاون، والتراحم، وحسن الظن، وتقديم المصلحة العامة، والابتعاد عن أسباب الفرقة والخصام.

إن المرحلة الراهنة تستوجب من الجميع أن يقدموا خطاب الحكمة على خطاب الإثارة، والبناء على الهدم، والحوار على الخصومة، وأن يدركوا أن قوة الأوطان تبدأ من قوة وحدتها الداخلية، فكل كلمة مسؤولة، وكل موقف يجمع ولا يفرق، وكل مبادرة تعزز التماسك المجتمعي، هي لبنة في بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

فلنجعل وحدتنا درعًا يحمي أوطاننا، ومن وعينا سلاحًا يواجه الشائعات والأخبار الزائفة، ومن تعاوننا سبيلًا لتحقيق التنمية والنهضة.

فلنجعل من التثبت منهجًا، ومن الوعي ثقافة، ومن الاصطفاف الوطني قوة، ولنعمل جميعًا على نشر الأمل، ودعم الاستقرار، وترسيخ الثقة، حتى تبقى أوطاننا آمنة مستقرة، قادرة على مواصلة مسيرة البناء والتنمية، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ [سورة المائدة: الآية 2].

إن مصر، بما تمتلكه من تاريخ عريق، وحضارة ممتدة، وشعب واعٍ، وقيادة رشيدة، قادرة، بإذن الله، على مواجهة كل محاولات التشكيك والتفريق، ما دام كل أبنائها متمسكين بقيم الوحدة، متسلحين بالوعي، ومدركين أن الكلمة أمانة، وأن حماية الوطن مسؤولية مشتركة.

وفي هذا الصدد، أجدني أردد قول المفكر الكبير الإمام عبد الحميد بن باديس:

"إن الأمة التي تعرف تاريخها، وتحسن تربية أبنائها، وتتمسك بقيمها، لا يستطيع أحد أن ينتزع مستقبلها."

تم نسخ الرابط