عاجل

منذ أن جلس أول قاضِ للفصل بين خصمين في التاريخ لم يتغير المشهد كثيرًا، فالملفات تتراكم فوق المكاتب والساعات الطويلة في انتظار من في يدهم الفصل في الأمور، تلال المستندات ديكور ثابت لأروقة المحاكم والبحث عن السوابق القضائية وصياغة الأحكام والمذاكرات أمور تحتاج إلى سنوات حتى ترد لأصحاب الحقوق حقوقهم ويقتص من الجناة، ورغم تطور المحاكم عبر آلاف السنين وتحول المحاكم إلى قاعات رقمية تبدلت فيها الأقلام بالكمبيوتر والورق بالأرشيف الإلكتروني بقى عنصر واحد لم يتغير، الوقت، فالعدالة لم تعاني دائمًا من نقص القوانين بقدر ما كانت تعاني من بطء الإجراءات والحسم في القضايا.

لكن ما بقى ثابتًا لقرون يبدو أنه على موعد مع أكبر تحول في تاريخه بفضل الذكاء الاصطناعي الذي لم يترك مجال إلا ودخل فيه وكان للقضاء نصيبه أيضًا، وقد تجلى ذلك في إعلان أبو ظبي عن إطلاق أول منصة قضائية متكاملة مدعومة بالذكاء الاصطناعي من نوعها في العالم على أن يبدأ تشغيل المرحلة الأولى منها في سبتمبر المقبل.

وبحسب المنشور فإن تلك المنصة ستتولى عدة مهام تؤدي في النهاية إلى تقليل الإجراءات واختصار الوقت للوصول إلى عدالة ناجزة أكثر، وتقنيًا ستتولى المنصة الجديدة قراءة وتحليل ملفات القضايا وإجراء البحوث القانونية واسترجاع السوابق والأحكام المشابهة والمساعدة في إعداد المذكرات والصياغات القانونية بما يختصر الوقت والجهد داخل المحاكم، فيما يتبقى إصدار الحكم النهائي والفصل في النزاعات اختصاصًا أصيلًا للقاضي ليكون الذكاء الاصطناعي شريكًا في تسريع العدالة لا بديلًا عنها.

أهمية المنصة لا تقتصر على كونها أداة جديدة داخل المحاكم فقط فهي بمفهوم آخر تعيد توزيع الوقت بين الإنسان والآلة، فبدلًا من استنزاف ساعات طويلة في قراءة آلاف الصفحات والبحث عن السوابق القضائية ومراجعة النصوص القانونية ستتولى المنصة هذه المهام في وقت قياسي، لتمنح القاضي مساحة أكبر للتركيز على جوهر القضية وتقييم الأدلة والاستماع إلى الخصوم واتخاذ القرار القضائي، كما ستعمل المنصة وهذا هو الأهم على ربط الملفات والسوابق والتشريعات في منظومة واحدة بما يسهم في رفع كفاءة العمل القضائي وتقليل الأخطاء الإجرائية وتسريع دورة التقاضي مع بقاء المسئولية القانونية الكاملة عن الحكم في يد القاضي.
تجربة أبو ظبي تفتح الأبواب أمام مصر التي تمثل لها العدالة الناجزة أولوية خلال السنوات الماضية، ومن أجل ذلك اتخذت وزارة العدل بالفعل بعض الخطوات نحو الرقمنة وتقليل زمن الإجراءات وسرعة البت في القضايا بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي لكنها خطوات بطيئة في زمن سريع يحتاج إيقاع أسرع من ذلك، وليس أدل على هذا من أن وزارة العدل نفسها أعلنت في 2023 انتهاء من معظم القضايا المدنية المقيدة حتى عام 2019، أي أن الأمر احتاج 4 سنوات لكي يسترد مظلوم حقه ويدان الجاني ولسنا في حاجة لقول إن بعض تلك القضايا صغيرة جدًا ولا تحتاج أكثر من جلسة لكن ضغط القضايا الأخرى هو ما يؤدي إلى هذا التأخير.

الأمر الآخر الذي نحتاجه في مصر أيضًا هو تغيير وجهة نظرنا نحو الرقمنة إذ لم يعد المطلوب أن تقتصر الرقمنة على تقديم الخدمات إلكترونيا أو الشكاوي وهو ما نجحنا فيه خلال السنوات الماضية ولا أنكر أن ذلك حل الكثير من المشكلات، لكن بينما نحن نفعل ذلك بدأت الدول الأخرى في توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل الملفات وربطها بالدعاوي السابقة والتشريعات ذات الصلة وهو ما نحتاجه أكثر خاصة أن عدد القضايا المدنية التي قيدت خلال اعوام 2020 و2022 وصل إلى 1.5 مليون قضية وهو ما يحتاج جيش من القضاة للتحليل والحسم !

تم نسخ الرابط