ليست الهزيمة الحقيقية أن تفقد أمةٌ مدينةً أو يسقط منها حصن، بل أن تفقد بوصلتها الزمنية؛ تلك التي تُمكّنها من التمييز بين التاريخ بوصفه مدرسةً للوعي، ورافدًا للهوية، وخبرةً تُلهم المستقبل، وبين التاريخ بوصفه مشروعًا سياسيًا للاستعادة.
فالوعي الحضاري السليم ينظر إلى الأمس باعتباره تجربةً تُنير الطريق إلى الغد، أما العقل المتطرف فلا يرى فيه إلا نموذجًا مكتملًا ينبغي استنساخه، وكأن الزمن قد أخطأ حين مضى إلى الأمام.
إنه لا يقرأ التاريخ ليتعلم، بل ينتقي من صفحاته ما يغذي وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، ثم يحاول أن يُخضع الحاضر المتغير لقوالب الماضي الجامدة، ويقيس المستقبل بمسطرة الأمس.
ومن هنا يبدأ صدامه المحتوم مع الواقع؛ لأنه لا يحاكم العالم كما هو، بل كما يتمنى أن يعود، فيغترب عن زمنه، ويخاصم حركة التاريخ، ويحوّل المستقبل كله إلى محاولةٍ عقيمة لإعادة إنتاج الأمس، بدلًا من أن يكون فضاءً رحبًا لإبداع الغد.
ولهذا، لا يعيش المتطرف داخل الزمن، بل خارجه؛ إنه لا ينظر إلى المستقبل بوصفه أفقًا للإبداع، وإنما بوصفه خطرًا يهدد صورة الماضي التي يحملها في رأسه، وكلما تقدمت الإنسانية خطوة، ازداد اقتناعًا بأن النجاة تكمن في العودة لا في التقدم، وفي الاستعادة لا في الابتكار.
وحين يسقط العقل المتطرف في "وهم الحقيقة المطلقة"، يغدو التاريخ لديه "دينًا موازيًا" وسلاحًا سياسيًا؛ فيصبح الإنسان حينها مغتربًا في زمنه، مسكونًا بذاكرة بديلة.
مستقبل الحنين
تميز المفكرة الفرنسية سفيتلانا بويْم (Svetlana Boym 1959–2015) في كتابها «مستقبل الحنين» (The Future of Nostalgia 2001) بين نوعين من الحنين؛ أولهما حنينٌ يتأمل الماضي ليستلهمه، وثانيهما حنينٌ يسعى إلى إعادة بنائه كما كان، وكأن التاريخ توقف عند لحظة مثالية ضاعت إلى الأبد.
وتطلق على هذا الأخير اسم الحنين الاسترجاعي (Restorative Nostalgia)، وهو الذي لا يعترف بأن الزمن يمضي، بل يتعامل مع الماضي باعتباره حقيقة مكتملة ينبغي إعادة تركيبها مهما تغير العالم.
وهنا تتجلى إحدى البنى العميقة للعقل المتطرف؛ فهو لا يرى الحضارة رحلةً متصلة، بل سقوطًا مستمرًا عن نموذجٍ أول، وكل تقدمٍ في نظره ليس إلا ابتعادًا عن ذلك المثال المُتخيل.
ولهذا، فإن مشروعه السياسي يبدأ دائمًا بعبارة واحدة: لِنَعُد، عائدون!!
مستقبلات الماضي
يرى المؤرخ والفيلسوف الألماني راينهارت كوسيليك (Reinhart Koselleck 1923–2006) في «مستقبلات الماضي: في دلالات الزمن التاريخي» (Futures Past: On the Semantics of Historical Time, 1979) أن المجتمعات الحية تتقدم لأنها تملك شجاعة الفصل بين "فضاء الخبرة" (Space of Experience) و"أفق التوقع" (Horizon of Expectation).
فالماضي، في الوعي السليم، هو مختبر للدروس لا سكن لليقين؛ هو خبرة نهتدي بوهجها لنبني مستقبلًا يمتلك حق الاختلاف عن أمسه.
غير أن العقل المتطرف، الغارق في "أوهام الحقيقة المطلقة"، يعمل على هدم هذه المسافة الحيوية.
فهو لا يقرأ التاريخ ليتعلم منه "السنن"، بل ليعيد استنساخ "الصور"؛ وبدلاً من أن يكون التاريخ مرجعًا للفهم، يحوله إلى برنامج سياسي قسري للحكم، محاولاً خنق "أفق التوقع" وإجبار المستقبل على أن يكون مجرد صدى باهت لعصور انقضت شروطها.
إن أخطر الأيديولوجيات ليست تلك التي تمتلك ذاكرة حديدية، بل هي التي تمتلك "ذاكرة قمعية" ترفض أن يكون للمستقبل وجهٌ جديد، وتصر على أن خلاص البشرية مرهونٌ بالعودة إلى "النموذج الواحد" الذي انتزعه المتطرف من سياقه التاريخي ليحوله إلى صنمٍ يُعبد، مضحياً في سبيل ذلك بالحاضر، والمستقبل، وحياة البشر.
أستاذية العالم.. وإسرائيل الكبرى (حين يتشابه التطرف رغم اختلاف الرايات)
في عالم الأوهام المطلقة، تذوب الفوارق بين الرايات لتكشف عن وحدة المصدر؛ حيث يتطابق العقل المتطرف في بنيته مهما اختلفت مرجعياته. فبينما تلهث جماعة الإخوان خلف سراب أسمته "أستاذية العالم"، فارضةً وصايةً وهمية على البشرية تتجاوز منطق الدولة الحديثة، تستحضر الصهيونية الدينية المتشددة أسطورة "إسرائيل الكبرى" لتحول الماضي من ذاكرة للاعتبار إلى خريطة للاحتلال.
نحن هنا بصدد "تشريح معرفي" لنمط تفكير واحد؛ فكلتا الأيديولوجيتين تنطلق من فرضية "الخلاص بالاستعادة".
كلاهما يرفض ابتكار مستقبل جديد، ويصر على إعادة إنتاج ماضٍ يُنظر إليه بوصفه "المثال الكامل" واليقين الذي لا يأتيه الباطل.
وهكذا، يتحول التاريخ في معامل التطرف من مادة للبحث والفهم إلى وقود للتعبئة والصدام.
إنها "أيديولوجيا الارتداد"، التي لا ترى في الزمن إلا طريقاً للوراء، ولا ترى في الإنسان إلا أداةً لتحقيق نبوءات؛ ليصبح "وهم الحقيقة المطلقة" هو المقصلة التي تُذبح عليها شروط الحياة وتعقيدات الواقع.
من أجل حوار الحضارات
يفتح لنا الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي (Roger Garaudy 1913–2012) في كتابه «من أجل حوار الحضارات» (Pour un dialogue des civilisations 1977) نافذةً كاشفة على مأزق العقل المتطرف؛ فالحضارات العظيمة لا تقتات على انغلاقها، بل على قدرتها الفائقة في الدخول في "حوار خلاق" يجعل من الماضي جذوراً تمد الحاضر بالحياة، لا سياجاً يمنع عنه هواء المستقبل.
إن المأساة الكبرى لعشاق "أوهام الحقيقة المطلقة" تكمن في تعاملهم مع الهوية بوصفها "قطعة أثرية" مهددة بالكسر، يجب حبسها داخل صندوق زجاجي معزول عن الواقع، متجاهلين أن الهوية الحقيقية هي كائن حي يتنفس بالتفاعل، وينمو بالإضافة، ويقوى بالانفتاح.
فالتطرف في جوهره لا يسعى للدفاع عن التاريخ كما يدعي، بل يسعى إلى "تحنيطه" وإيقاف نبضه، خشية أن يكتشف الأتباع أن الزمن قد تجاوز تلك القوالب الجامدة.
بينما يرى الوعي السليم في التاريخ "خبرةً" تدفعه للأمام، يرى العقل المتطرف في الماضي "مخبأً" يهرب إليه من استحقاقات الحداثة.
وهكذا، يصبح الدفاع عن الهوية لديهم هو عملية "تجميد قسري" للزمن، ترفض أن يكون للمستقبل حق في الوجود، وتصادر حق الإنسان في أن يضيف لقصة حضارته فصولاً جديدة لم يكتبها الأقدمون.
أنظمة التاريخانية
يكشف المؤرخ الفرنسي فرانسوا هارتوج (François Hartog 1946) في كتابه «أنظمة التاريخانية: الحاضرية وتجارب الزمن» (Regimes of Historicity: Presentism and Experiences of Time, 2003) عن الخلل البنيوي في وعي الجماعات المتطرفة بالزمن؛ فبينما ترى الأمم الحية في التاريخ "خبرةً" تضيء لها طريق الابتكار، يرى العقل المتطرف في الماضي "شرنقةً" يحاول إجبار العالم على العيش داخلها.
ففي مختبر التطرف، يختفي مفهوم "التطور" ليحل محله هوس "التكرار"؛ فالمستقبل لديهم ليس أفقاً للإبداع بل هو مجرد "نسخة كربونية" يجب أن تُطابق أصلاً غابراً.
ومن هنا، يمتلئ خطابهم بأفعال الارتداد: «أعِد، استرجع، أحيِ، أقم»، بينما يسقط من معجمهم فعل «ابتكر»؛ لأن الابتكار يقتضي الاعتراف بأن الزمن يتغير، وأن الحقيقة ليست ملكية خاصة مسجلة باسم الماضي.
إننا أمام أيديولوجيا ترفض "حق المستقبل في الاختلاف السياسي"، وتحاول إيقاف حركة التاريخ عند لحظة تخدم أوهامها السياسية.
وما الدعوة لـ "إسرائيل الكبرى" إلا محاولة بائسة لخنق الحاضر بقوة الماضي، وتضحيةً بفرص الأجيال القادمة في سبيل يوتوبيا متخيلة لم يعد لها مكان في شروط الحياة المعاصرة.
المستقبل لا يُستعاد.. (حين يكون الغد ضحيةً ليقين الأمس)
إن أفدح ما تصنعه "أوهام الحقيقة المطلقة" بالعقل البشري هو إقناعه بأن الزمن يسير للوراء، وأن المستقبل لا يكتسب شرعيته إلا إذا صار "نسخةً مطابقة" من ماضٍ غابر.
في هذا الفخ، تتحول الذاكرة من رئة للتنفس إلى قيدٍ للحركة، ويغدو التاريخ سلطةً قمعية تقتل روح الابتكار، ويتحول الحنين إلى "عقيدة صلبة" تسجن المجتمعات داخل دائرة زمنية مغلقة تمنعها من عبور عتبات الحداثة.
بيد أن منطق الحضارة الحية يخبرنا أن الأمم لا تُبنى بتكرار الأمس، بل بالقدرة الفائقة على تمثله وتجاوزه في آنٍ واحد؛ باحترام التاريخ كـ "معلم" ننهل من خبرته، ورفضه كـ "حاكم" يملي علينا تفاصيل حياتنا المعاصرة. فالأمم التي تستلهم من ماضيها دروس البناء هي التي تمتلك غدها، أما تلك التي ترهن خلاصها باستعادة "يوتوبيا" منقضية، فإنها تظل أسيرة "اليقين"، بينما يواصل القطار الحضاري سيره السريع من حولها.
إن معركتنا الوجودية اليوم ليست بين ذاكرة تحفظ التاريخ وأخرى تنساه، بل هي مواجهة كبرى بين من يقرأ التاريخ ليفتح به آفاقاً لغدٍ جديد، ومن يحاول اختطاف الغد وسجنه داخل صورة "متخيلة" وجميلة للأمس، مضحياً بالواقع والفرص والحياة في سبيل أوهام الحقيقة المُطلقة.