عاجل

كلما تراجعت مبيعات القطاع العقاري، كان التفسير الأكثر تداولًا أن السوق دخل مرحلة ركود، أو أن الطلب انخفض، أو أن العملاء فقدوا رغبتهم في الشراء. لكن هذه التفسيرات، على انتشارها، تعكس قراءة سطحية لحركة السوق، لأنها تخلط بين مفهومين اقتصاديين مختلفين؛ وجود الطلب، والقدرة على تحويل هذا الطلب إلى تعاقدات فعلية.

في الاقتصاد، لا يُقاس الطلب بعدد الأشخاص الذين يرغبون في امتلاك سلعة، وإنما بعدد القادرين على شرائها. وهذه القاعدة تبدو اليوم أكثر وضوحًا داخل السوق العقاري المصري، الذي لا يعاني من غياب الرغبة في التملك، بقدر ما يعاني من اتساع الفجوة بين قيمة العقار والقدرة الشرائية للأفراد.

فملايين المصريين ما زالوا يبحثون عن سكن أفضل، أو فرصة استثمار أكثر أمانًا، أو وسيلة للحفاظ على قيمة مدخراتهم. ومع ذلك، لا تتحول هذه الرغبة إلى حركة بيع بنفس القوة، لأن تكلفة اتخاذ قرار الشراء أصبحت أعلى من قدرة شريحة واسعة من العملاء، سواء بسبب ارتفاع الأسعار، أو تكلفة التمويل، أو تغير أولويات الإنفاق، أو تآكل القوة الشرائية نتيجة المتغيرات الاقتصادية.

وهنا يقع كثيرون في خطأ تفسير تراجع المبيعات باعتباره دليلًا على انتهاء الطلب. والحقيقة أن الطلب لا يزال قائمًا، لكنه أصبح طلبًا مؤجلًا أو معطلًا، ينتظر اللحظة التي تتوافر فيها أدوات تمويل أكثر كفاءة، أو تتحسن فيها القدرة على تحمل الالتزامات المالية طويلة الأجل.

ولهذا السبب، فإن المنافسة بين شركات التطوير العقاري لم تعد تدور حول جودة المشروع فقط، بل أصبحت تدور حول القدرة على إزالة العوائق التي تمنع العميل من اتخاذ قرار الشراء. فالشركة التي تنجح في تقليل تكلفة الدخول إلى الاستثمار العقاري، أو في ابتكار حلول تمويلية أكثر مرونة، لا تخلق طلبًا جديدًا، وإنما تحرر الطلب الكامن من القيود التي تكبله.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل القطاع لم يعد: كيف نبيع وحدات أكثر؟ بل أصبح: كيف نحول الرغبة في الشراء إلى قدرة فعلية على الشراء؟

الإجابة عن هذا السؤال تفرض تغييرًا في فلسفة السوق. فبدلًا من الاعتماد المستمر على إطالة مدد التقسيط أو زيادة الخصومات، يصبح من الضروري بناء منظومة تمويل أكثر تنوعًا، تشارك فيها البنوك، وشركات التمويل العقاري، وصناديق الاستثمار، وأدوات الملكية الجزئية، بما يعيد بناء القوة الشرائية دون الإضرار بالقيمة الحقيقية للأصول.

كما أن هذا التحول سيغير طريقة تقييم نجاح المطور العقاري. فالمطور لن يقاس فقط بعدد الوحدات التي باعها، وإنما بقدرته على ابتكار حلول تجعل التملك ممكنًا لشريحة أكبر من العملاء، دون أن يفقد مشروعه قيمته أو يضغط على مركزه المالي.

إن مستقبل السوق العقاري المصري لن تحدده معدلات البناء وحدها، ولا حجم المشروعات الجديدة، وإنما ستحدده قدرة القطاع على إنتاج أدوات مالية تعيد التوازن بين السعر والدخل، وبين قيمة الأصل وإمكانات المشتري. فكلما نجح السوق في تضييق هذه الفجوة، عاد الطلب الكامن إلى الحركة، واستعادت المبيعات زخمها الطبيعي.

ولعل الدرس الأهم الذي تفرضه المرحلة الحالية هو أن العقار لا يمر بأزمة مشترين، بل بأزمة قدرة شرائية. والفارق بين العبارتين ليس مجرد اختلاف في الصياغة، وإنما اختلاف في فهم طبيعة الأزمة، وبالتالي في طبيعة الحلول. فمن يعتقد أن المشكلة في غياب الطلب سيواصل البحث عن وسائل ترويج جديدة، أما من يدرك أن المشكلة في القدرة على الشراء، فسيتجه إلى ابتكار أدوات تمويل جديدة، وهناك تحديدًا يبدأ التعافي الحقيقي للسوق.

تم نسخ الرابط