عاجل

يقول سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
"تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ لكَ صدقةٌ".

قلتُ: وبمزيدٍ من التأمل في هذا النَّفَسِ المحمديِّ المنير، ندرك أن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يُعلِّمنا أن الخير ليس بالكثرة ولا بالكم، وإنما بنيته وأثره.
كما يبيّن لنا (صلى الله عليه وسلم) أن الصدقة ليست مالًا يُعطى فحسب، ولا طعامًا يُقدَّم فحسب، بل هناك صدقةٌ من نوعٍ آخر، هي الابتسامة التي يُهديها القلبُ الصادق.

ومن هنا، اعلم، صديقي العزيز، أن الابتسامة خُلُقٌ بسيطٌ في صورته، لكنه عظيمٌ في أثره عند الله.

الابتسامة خفيفةٌ على الشفاه، لكنها ثقيلةٌ في الميزان.

والابتسامة لا تُعطِّل جارحةً من جوارحك، ولا تحتاج إلى طاقاتٍ كبيرة ولا قدراتٍ استثنائية، وإنما تحتاج إلى روحٍ نقية، وقلبٍ صافٍ، ونفسٍ مُحِبَّةٍ للخير.

لقد جعلها سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صدقةً؛ لأنها تحمل الرحمة، وتفيض بالصفاء والنقاء، وتغرس معاني الإيناس والطمأنينة والسلام والقرب، وتبني جسور المودة في عالمٍ كثُر فيه الجفاء، وتزاحمت فيه الهموم، وقلَّت فيه الكلمة الطيبة.

وهنا تكتسب الابتسامة قيمتها؛ فتغدو في زمن القسوة عظيمةَ القدر، نادرةَ الوجود، بعيدةَ الأثر.

فالابتسامة لغةٌ صامتةٌ يفهمها الجميع، ولا تحتاج إلى ترجمان.

إن الابتسامة الصادقة دعوةٌ غير منطوقة إلى السلام، وإلى الحب، وإلى الطمأنينة، وإلى الإيناس، وإلى القرب.

ولنقرأ بعمقٍ قولَ سيدنا عبد الله بن الحارث رضي الله عنه: [ما رأيتُ أحدًا أكثرَ تبسُّمًا من رسولِ الله (صلى الله عليه وسلم)]

وحين أتأمل هذا الوصف، يبدأ الذهن في استدعاء عددٍ من الأسئلة:

أيُّ جانبٍ من شخصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقصده هذا الوصف؟

أهو من جهة كونه نبيًّا؟
أم من جهة كونه قائدًا؟٨
أم من جهة كونه مُعلِّمًا؟
أم من جهة كونه صديقًا؟
أم من جهة كونه أبًا؟
أم من جهة كونه زوجًا؟
أم من جهة كونه جدًّا؟

والجواب: أن الابتسامة لم تكن موقفًا عابرًا في حياة سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا مجاملةً اجتماعية، وإنما كانت خُلُقًا أصيلًا، وصفةً ملازمةً له في جميع أحواله، ومع جميع الناس.

فاجعل -يا صديقي العزيز- ابتسامتك رسالةَ رحمة، وبشارةَ أمل، ونافذةَ نور، فلعلَّ ابتسامةً صادقةً تُحيي قلبًا أنهكته الأيام، أو تُخفِّف همًّا أثقل كاهل إنسان، أو تفتح بابَ مودةٍ أغلقته القسوة.

أسأل الله لك، صديقي العزيز، أن يجعل ابتسامتك نورًا لا يغيب، وأن يديم على وجهك البِشر، وفي قلبك الرضا، وأن يجعلك ممن إذا ابتسم أضاءت الدنيا من حوله، ورزقه القبول في الأرض، وجعل له من المحبة في قلوب الناس ما لا يخطر له على بال.
اللهم آمين يا رب العالمين.

تم نسخ الرابط