طرق المستوطنات تعيد رسم الضفة.. إسرائيل توسع شبكة العزل تمهيدًا لواقع الضم
حولت إسرائيل مشاريع شق الطرق في الضفة الغربية من مجرد أعمال لتطوير البنية التحتية إلى أداة رئيسية، وفق محللين ومنظمات حقوقية، لتعزيز سيطرتها على الأرض وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي للضفة، بما يرسخ تدريجيًا واقعًا يقترب من الضم الفعلي.
ومنذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، شهدت الضفة الغربية تسارعًا في تنفيذ مشاريع الطرق الالتفافية والمسارات المخصصة لخدمة المستوطنات، بالتزامن مع توسيع شبكة المواصلات التي تربط المستوطنات ببعضها البعض وبإسرائيل، مقابل زيادة عزل المدن والبلدات الفلسطينية وتقليص التواصل الجغرافي بينها.
توسع متسارع في شبكة الطرق الاستيطانية
ووفقًا لتقرير صادر عن منظمتي "السلام الآن" و"كيريم نافوت" الإسرائيليتين في يوليو الماضي، جرى شق نحو 223 كيلومترًا من الطرق والمسارات الجديدة في الضفة الغربية منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية السلطة عام 2022.

وأشارت صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية، نقلًا عن التقرير، إلى أن هذه المشاريع لا تهدف فقط إلى تحسين حركة المستوطنين، بل تسعى أيضًا إلى خلق وقائع جديدة على الأرض تعزز الوجود الإسرائيلي، دون الحاجة إلى إعلان رسمي عن ضم الضفة الغربية.
وقال مؤسس منظمة "كيريم نافوت"، درور إيتكس، إن ربط منطقة ما بشبكة طرق جديدة يؤدي عمليًا إلى فصل مناطق فلسطينية أخرى عنها، مما يساهم تدريجيًا في تفكيك التواصل بين التجمعات الفلسطينية وفرض واقع يصعب تغييره مستقبلًا.
طريق جديد يغير ملامح شمال الضفة
وفي شمال الضفة الغربية، وتحديدًا قرب قريتي صانور وحومش، يظهر مشروع طريق جديد باعتباره نموذجًا لهذه السياسة، إذ يهدف الطريق المخصص للمستوطنين إلى ربط مستوطنة "صانور" بمستوطنة "حومش"، قبل الاتصال بالطريق رقم 60 الذي يعد من أهم المحاور الرئيسية في الضفة.
ويقول سكان المنطقة إن تنفيذ المشروع أدى إلى الاستيلاء على مئات الدونمات من الأراضي الزراعية، بينها بساتين زيتون كانت مصدر دخل لعشرات العائلات الفلسطينية، كما تسبب في عزل مساحات زراعية ومقابر عن أصحابها بسبب مسار الطريق الجديد.
وترى الناشطة في منظمة "السلام الآن" هاجيت أوفران أن الطرق تمثل عنصرًا أساسيًا في توسع المستوطنات، كونها تسهل إدخال المعدات ومواد البناء، وتربط البؤر الاستيطانية الصغيرة بالمستوطنات الكبرى وصولًا إلى القدس.

مليارات لتعزيز البنية التحتية للمستوطنات
ويتزامن توسع مشاريع الطرق مع إجراءات حكومية إسرائيلية تهدف إلى تطوير البنية التحتية في المستوطنات، حيث وافقت الحكومة الإسرائيلية في يوليو الماضي على تخصيص أكثر من مليار شيكل حتى عام 2029 لتنفيذ مشاريع طرق تخدم المستوطنات القائمة والجديدة.
ويقود هذه السياسة وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يمتلك أيضًا صلاحيات واسعة في الإدارة المدنية بالضفة الغربية، فيما وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الخطوة بأنها "ثورة استيطانية"، في إشارة إلى تسريع عمليات ربط المستوطنات وتوسيعها.
كما تتيح الإجراءات الجديدة تنفيذ مشاريع الطرق بالتوازي مع عمليات تقنين المستوطنات، بما يسمح بإنشاء الطرق قبل استكمال الوضع القانوني للمستوطنات نفسها.
تضييق متزايد على حركة الفلسطينيين
في المقابل، تزامن توسع شبكة الطرق الاستيطانية مع تشديد القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، عبر زيادة الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية والسواتر الترابية عند مداخل المدن والبلدات.
ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة، بلغ عدد العوائق التي تقيد حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية 925 عائقًا حتى نهاية عام 2025، بينها أكثر من 120 حاجزًا أضيفت خلال العام ذاته.

وأثرت هذه الإجراءات على الحياة اليومية للفلسطينيين، حيث تحولت بعض الرحلات القصيرة إلى ساعات طويلة بسبب الإغلاقات والتحويلات، كما واجهت سيارات الإسعاف صعوبات أكبر في الوصول إلى المرضى ونقل الحالات الطارئة.
وقال مواطنون من بلدة طمون شمال الأغوار، لصحيفة "لوفيجارو"، إن الوصول إلى أراضيهم الزراعية أصبح يتطلب وقتًا أطول بعد إغلاق الطرق المعتادة، مشيرين إلى أن تكلفة الرحلة ارتفعت بشكل كبير بسبب الاضطرار إلى سلوك طرق التفافية بعيدة.
كما وثقت منظمة الصحة العالمية خلال عام 2025 وقوع 196 حادثة تعطلت خلالها الخدمات الطبية بسبب الحواجز والإجراءات العسكرية، مما أثر على سرعة وصول الرعاية الصحية للمرضى والمصابين.
إعادة رسم الخريطة السياسية للضفة
ويرى مسؤولون فلسطينيون ومنظمات حقوقية أن شبكة الطرق الجديدة تتجاوز كونها مشاريع لخدمة المستوطنات، لتصبح جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي في الضفة الغربية.
وقال الوزير الفلسطيني السابق مصطفى البرغوثي إن الهدف من هذه السياسة هو منع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، معتبرًا أن الطرق الجديدة تحولت إلى محاور تفصل المناطق الفلسطينية عن بعضها البعض.
وفي عدد من القرى الواقعة شرق جنين، يخشى السكان من أن تؤدي توسعات المستوطنات والطرق المرتبطة بها إلى تطويق التجمعات الفلسطينية، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين وتراجع قدرة الأهالي على الوصول إلى أراضيهم الزراعية.



