عاجل

ولأن أهل مكة أدرى بشعابها، فماسبيرو هو الآخر أدرى به من عملوا فيه عقودًا، وهم أيضًا على علم بما تخفيه الصور وما تقوله الأحاديث والتصريحات. والواضح أن ما يقوم به البعض من نشر فيديوهات وصور من داخل ماسبيرو، وبخاصة الحمامات، لم يفاجئني؛ لأني أستطيع التأكيد أن هذا المبنى العتيق يعج بكل السلبيات، والإهمال يعتليه ويأكله أكلاً.

الحمامات أسوأ مما ينشر، لدرجة أننا كنا نضع فيها المناديل الورقية في الأبواب التي تم تركيبها بطريقة "أي حاجة والسلام"؛ ففي الأبواب فراغات تجعلك وأنت بالداخل على مرأى ممن هم في الخارج، وقد تكون في الحمام وتجد من يدخل عليك من الجنس الآخر، وإذا رآك يعتذر، وإذا لم يرك فيكمل مهمته. وأيضًا من عجائب حمامات ماسبيرو أن تكون فيه، وإذا بعامل النظافة ينادي من الخارج: "فيه حد جوه؟"، وعليك أن تجيبه بسرعة لأنه لن ينتظر وسيدخل ليؤدي عمله كما هو موكل به، ولا أدري ما الحكمة في أن تكون حمامات السيدة ينادي على نظافتها العاملون وليس العاملات!

حدث ولا حرج عن الحنفيات التي لا تعمل أو التي تعمل بدون توقف، تحدث ولن يردك أحد عن الأحواض التي تسقط ماءها في الأرض وعليك عندما تتوضأ أو تغسل وجهك من متاعب يوم طويل مرهق. وأضف إلى ذلك ريحة الحمامات بصفة عامة وفي الليل بصفة خاصة؛ فكل الروائح كوم وهذه الرائحة كوم آخر كما يقولون في الأمثال الشعبية.

وإذا تركت الحمامات كلها، وكتب لك الحظ أن تكون عضوًا في الحمامات الخاصة ويكون لك مفتاح خاص تدخل من خلاله إلى "حمام العظماء"، فلن تجد ما توقعته من خدمة خمس نجوم، ولكنك في كل الأحوال ستشعر بشيء من الرفاهية والاعتلاء عن باقي البشر الذين لا يحق لهم الدخول إلى هذه الحمامات الموكلة بعنايتها لعاملات نظافة يتقاضين من المشتركين أجرًا، وإن كان رمزيًا، إلا أنه قد وفر لمن يدخلونه جزءًا من الإحساس بآدميتهم.

وجنبًا إلى جنب من رائحة الحمامات إلى الاستوديوهات المهملة إهمال السنين؛ كراسي ممزقة وآيلة للسقوط، بل إن بعضها بالفعل قد سقط بالضيف قبل الهواء بدقيقة، وعلى مرأى ومسمع من الكل، وكنت من بين الحاضرين واعتذرت للضيف الذي كان مستاءً ومحرجًا في نفس الوقت.

بجانب الاستوديوهات هناك وحدات المونتاج العتيقة التي أكل عليها الزمان وشرب وتركها في حالة يرثى لها، وكل من يراها يسمع صوت أنينها ومطالبتها بالعون والإصلاح ربما تعود إلى الحياة مرة أخرى. في غرف التحرير والإعداد كل شيء يصرخ ويقول: "ساعدونا!"؛ الأجهزة من الأجيال التي انتهت منذ عقود، والمعدات أيضًا، بل وحال الغرف يثير الاشمئزاز والقرف.

كل ما في ماسبيرو فانٍ إلا من يعملون به، وهم ببساطة القول يصنعون من الفسيخ شربات، ويتحدون الواقع وينتجون أعمالاً وبرامج ناجحة يعجز عن تقديم مثلها من جاءوا يحملون راية التطوير ويتقاضون أضعافًا مضاعفة لما يتقاضاه ابن ماسبيرو المطحون والمعروف "بابن الداده"، مع احترامي وتقديري للدادات كلهن.

رغم هذه النواقص والمبغضات، فأبناء ماسبيرو لا يتأخرون عن أداء مهامهم بكل أريحية وحب وتفانٍ، ولآخر يوم في عملهم تراهم سجدًا في محراب المبنى العتيق. والمصيبة أن كل ما يفعلونه تقابله الدولة بمبدأ "لا شكر ولا جميلة"؛ فحقوقهم التي يكفلها لهم الدستور والقانون والشرع والعقيدة والعرف، والممثلة في مكافأة نهاية الخدمة، لم يحصلوا عليها منذ ستة أعوام، مع أن الواقع يقول ويعترف بأنها أموالهم المستقطعة من راتبهم على مدى سنوات عملهم!

فلا شكر ولا جميلة ولا حقوق ترد إلى أصحابها، والمسؤولون يتعاملون بمبدأ اليهودي الذي قال لابنه: "إياك أن تحدد لزبونك موعدًا لأخذ حاجته، فقط قل له: فوت علينا بكره إن شاء الله". واليهودي همس في أذن ابنه قائلاً: "انت ما حددتَش أي بكره، وبكده مالهوش حجة وإنت في السليم". وزاده من البيت قصيدًا وقال له: "ومحدش عارف بكره فيه إيه، ممكن يموت أو يتغير حاله فيبطل يسأل عن حاجته، أو نموت إحنا ويضيع حقه مع ورثتنا".

ريحة ماسبيرو لا تنبعث من الحمامات ولا من المشاهد المسيئة لحال الاستوديوهات؛ ريحة ماسبيرو تتجمع كلها في غياب كلمة الحق، وإعادة الأموال لأصحاب المعاشات، ومكاشفة المواطنين بالحقيقة وإطلاعهم على الحق، وليس التحدث بالزيف والمماطلة.

تم نسخ الرابط