من الصعب أن ننظر لما حدث من دخول حوالي خمسين ألف مغربي إلى مدينة سبتة التي تخضع لحكم اسبانيا و وتتمتع بالحكم الذاتي و تطالب بها المغرب بعيدا عن ما يجري من حرب أمريكية إسرائيلية على إيران ، فتلك الحرب أثبتت أن العالم اصبح مختلفا عن ما قبل تلك الحرب تماما ، فلدينا الآن عالم جديد يتشكل أصبحت فيه المضايق و الطرق البحرية هي الأساس مثل مضيق هرمز و باب المندب و جبل طارق و قناة السويس ، و هو عالم ستزداد فيه قيمة مصر الاستراتيجية بشكل كبير ، و هو أمر ربما يوضح ايضا الأسباب خلف حادث مسيرة ميناء دمياط ، فهناك عملية إرباك كبرى لكل الدول التي تتحكم في تلك المضايق البحرية، ومنها إيران واليمن و مصر و اسبانيا ،
وستركز القوي الكبري الفترة القادمة على تلك المناطق التي تتحكم في المضايق البحرية في العالم ، و المقصود بالقوى الكبرى هنا هي الولايات المتحدة و الصين و الهند و روسيا ،فالعالم قد تغير بالفعل ولم يعد عالم أحادي القطب مثلنا كان عليه الحال منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في الثمانينات ، فقد استمرت أمريكا قوة عظمى لأربعين عاما ولكن تغير ذلك بالتدريج في السنوات الماضي و وسيزداد هذا التغيير بعد انغماس أمريكا في الحرب ضد إيران فهي حرب الجميع فيها خاسر بما فيها امريكا نفسها ،
و هناك تحول حاليا إلى عالم الأقطاب المتعددة ، حيث تدشن الحرب الأمريكية علي إيران صعود التنين الصيني و الدب الروسي و الفيل الهندي على حساب النسر الأمريكي ، بجانب صعود دول أخرى مثل البرازيل واندونيسيا ، و بالتالي فان لعبة عض الاصابع بين النسر أو العقاب الأصلع الأمريكي ضد الدب الروسي والتنين الصيني ستستمر لفترة ليست بالطويلة قبل أن يمر العالم بمرحلة غروب الشمس الأمريكية و انتهاء عصر القطب الواحد الذي لم يستمر الا لسنوات لا تتعدى الأربعين عاما ، وبدأ عصر جديد ، ولعل من أكثر الدول التي ستستفيد من الحرب الأمريكية على إيران والحرب الروسية على أوكرانيا هي الصين ، فقد أصبحت روسيا أكثر احتياجا للصين ، كما ان الأزمات الاقتصادية الأمريكية قد تصب في صالحها، و لعل تقوية منظمة بريكس اكبر دليل، فقد تجمعت الصين و روسيا و جنوب أفريقيا و البرازيل و الهند معا لتعميق التعاون الاقتصادي بينهم و تكوين نظام اقتصادي خاص بهم و بالدولة الصديقة والحليفة لهم ، و لن تعتمد تلك الدول في المستقبل علي الدولار او اليورو لتسديد التبادل التجاري بينهم و لكن سيكون بالعملات المحلية لتلك الدول ، و بالتالي فإن تقريبا نصف العالم سيتعامل بالدولار والنصف الآخر بعملات أخرى أهمها اليوان الصيني و الروبل الروسي ، بالإضافة إلي ذلك سيتم الاستعانة ببنك الاستثمار الصيني الذي تم إنشاؤه لدعم مبادرة الحزام والطريق الصينية ليكون ربما بديلا عن صندوق النقد الدولي بحيث تكون جهة مانحة ،
و تعتبر منطقة قناة السويس نقطة هامة في مبادرة الحزام والطريق الصينية و لهذا فان هناك اهتمام صيني بزيادة التعاون مع مصر و يقابله اهتمام هندي ابضا ، فتلك الدول تدرك أن الصراع لم يعد قاصرا بينهم على تايوان او كشمير اوالرقائق والتجارة فقط، بل إمتد للطاقة والممرات والأسواق ومناطق النفوذ نفسها.، وهنا يصبح للشرق الأوسط و لمصر تحديدا دورا شديدة الأهمية في اللعبة ، خاصة في ظل اصرار امريكا و اسرائيل علي اضعاف ايران التي تعتبر دولة تطل على الخليج ومضيق هرمز، وتمتد بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز وباكستان والعراق وتركيا، وتقع في قلب مسارات الربط البري التي تستطيع الصين استخدامها للوصول غربا ، وهنا يمكن النظر لضرب إيران ليس لإضعافها فقط ولكن أيضا لضرب المصالح الصينية والضغط على أحد مورديها للطاقة، وإرباك جزء من الطرق البرية التي تحاول بكين بناءه بعيدا عن الهيمنة البحرية الأمريكية، أما مصر فهي تمتلك الموقع الأهم و قناة السويس، و لديها موقعها الفريد على البحر الأحمر والمتوسط، كما انها قريبة من أوروبا و آسيا و تعتبر بمثابة بوابة لأفريقيا ، الأمر الذي يجعلها محط اهتمام كل القوى الكبرى ،
والسؤال الآن هل استعدت مصر للفترة القادمة حيث ستكون بؤرة الاهتمام لدول كبرى مثل امريكا و الصين و الهند و روسيا و ربما تكون واحدة من أكثر الفرص لديها في العصر الحديث ؟ و ما هي الخطط لتأمين الجبهة الداخلية و العلاقات مع كافة الدول الكبري بشكل متوازن لضمان استمرار الاستقرار و بالتالي ازدياد الاعتماد من الدول الكبري علي مصر كممر بحري هام؟ و ما هي الاستراتيجية المصرية للاستفادة من التعاون مع كل تلك القوى الكبرى في السنوات القادمة ؟ أسئلة مهمة نحتاج للتفكير في اجاباتها و العمل علي تنفيذها حتي لا نصبح مجرد مفعول به في المستقبل القريب.