نهاد أبو القمصان: مشاهد الهجرة إلى سبتة تعكس بحث الإنسان عن الأمان
علقت المحامية والحقوقية نهاد أبو القمصان على مشاهد محاولات الهجرة غير النظامية إلى مدينة سبتة، معتبرة أن ما تشهده المنطقة يسلط الضوء على أبعاد إنسانية تستحق التوقف عندها، بعيدًا عن الجدل السياسي المرتبط بالمدينة.
وقالت عبر منشور على منصة "إنستجرام":" إن صور الأطفال والأسر الذين يخاطرون بحياتهم لعبور البحر، بمن فيهم أسر تضم أطفالًا ونساءً حوامل، تطرح تساؤلات حول الأسباب التي تدفع أشخاصًا إلى المجازفة بحياتهم من أجل الوصول إلى وجهة يرون فيها فرصة لمستقبل أفضل.
ورأت أن هذه المشاهد تعكس، سعي الإنسان إلى العيش في مجتمعات تقوم على سيادة القانون، وحماية الحقوق، وتكافؤ الفرص، حيث يحصل الفرد على حقوقه باعتباره مواطنًا، بعيدًا عن العلاقات الشخصية أو الانتماءات.
وأضافت أن المفارقة، تكمن في أن بعض من ينتقدون مبادئ حقوق الإنسان والمساواة ودولة القانون يسعون في الوقت نفسه إلى الهجرة إلى دول تقوم مؤسساتها على هذه المبادئ.
كما أشارت إلى أن المطالبة بإضعاف قيم سيادة القانون والحريات بعد الوصول إلى تلك الدول تمثل تناقضًا قد يسهم في تعزيز خطاب اليمين المتطرف ويؤثر سلبًا على المجتمعات المستقبلة للمهاجرين.
وفي مشهد وصفه مسؤولون ومحللون بأنه غير مسبوق، شهدت مدينة سبتة الإسبانية خلال اليومين الماضيين تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين الذين عبروا الحدود من الجانب المغربي، سواء عبر المعابر القريبة من الساحل أو بالسباحة لساعات في البحر، في أكبر موجة عبور تشهدها المدينة منذ سنوات.
وفقا لتقرير لشبكة سي إن إن، فرغم ضخامة الأعداد، إلا أن ظاهرة العبور الجماعي إلى سبتة ليست جديدة بالكامل، إذ سبق أن شهدت المدينة أزمة مشابهة عام 2021، لكنها كانت أقل بكثير من حيث الحجم، ما يثير تساؤلات حول أسباب تكرار هذه المشاهد في واحدة من أكثر الحدود حساسية بين إفريقيا وأوروبا.

ما هي سبتة؟
سبتة هي جيب إسباني يتمتع بالحكم الذاتي، يقع على الساحل الشمالي لإفريقيا ويطل على البحر المتوسط، لكنه منفصل جغرافيا عن الأراضي الإسبانية الرئيسية.
وتعد، إلى جانب مدينة مليلية الواقعة شرقها، المنطقتين الوحيدتين الخاضعتين للسيادة الإسبانية داخل القارة الإفريقية.
وتسيطر إسبانيا على سبتة منذ قرون، بينما يطالب المغرب باستعادة السيادة عليها باعتبارها جزءا من أراضيه، وهو خلاف تاريخي لا يزال قائما رغم تحسن العلاقات السياسية بين البلدين في السنوات الأخيرة.
ورغم أن المدينة لا تتجاوز مساحتها نحو 18.5 كيلومترا مربعا، أي ما يعادل تقريبا ثلث مساحة جزيرة مانهاتن في نيويورك، فإنها تضم نحو 85 ألف نسمة، ما يجعل أي تدفق بشري واسع النطاق يشكل ضغطاً كبيراً على بنيتها التحتية وقدراتها الأمنية والخدمية.

لماذا تعد سبتة هدفا للمهاجرين؟
تكمن أهمية سبتة في أنها ليست مجرد مدينة إسبانية، بل تمثل أيضا جزءا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعلها إحدى أقرب نقاط الدخول إلى أوروبا بالنسبة للمهاجرين القادمين عبر شمال إفريقيا، ووفقا لشبكة سي إن إن، فلهذا السبب، يحاول آلاف المهاجرين الوصول إليها أملا في بدء إجراءات اللجوء أو الانتقال لاحقاً إلى دول أوروبية أخرى.
ورغم أن المدينة محاطة بمنظومة أمنية معقدة تشمل أسوارا حدودية متعددة الطبقات، وأسلاكاً شائكة، ومراقبة إلكترونية، وحواجز بحرية، فإن شبكات تهريب البشر تواصل البحث عن وسائل جديدة لتجاوز هذه الإجراءات، سواء عبر البحر أو باستغلال فترات الازدحام أو ضعف الرقابة.
كيف جرت موجة العبور الأخيرة؟
خلال اليومين الماضيين، عبر عشرات الآلاف من الأشخاص الحدود المؤدية إلى سبتة، حيث تمكن كثيرون من الوصول عبر الشواطئ القريبة، بينما سبح آخرون لمسافات طويلة في البحر للوصول إلى المدينة.

ويعد هذا التدفق أكبر بكثير من الأزمة التي شهدتها المدينة قبل خمس سنوات، ما دفع السلطات الإسبانية إلى تعزيز الإجراءات الأمنية والاستعداد للتعامل مع الأعداد الكبيرة من الوافدين.
من يتحمل المسؤولية؟
أثارت الأزمة جدلا سياسيا واسعا داخل إسبانيا، فبعض أحزاب المعارضة ومنتقدي الحكومة يحمّلون رئيس الوزراء بيدرو سانشيز مسؤولية ما جرى، معتبرين أن سياسات حكومته الأكثر انفتاحا تجاه الهجرة شجعت على تكرار محاولات العبور الجماعي.
في المقابل، تؤكد الحكومة الإسبانية أن ما يحدث يمثل انتهاكاً لسلامة الحدود الإسبانية وحدود الاتحاد الأوروبي، وتشدد على أنها ستعمل على إعادة كل من دخل بصورة غير قانونية وفق القوانين والاتفاقات الثنائية مع المغرب.

هل للأزمة خلفية سياسية؟
يرى عدد من المحللين أن موجات العبور الجماعي إلى سبتة غالبا ما ترتبط بتوتر العلاقات بين مدريد والرباط، ويستشهد هؤلاء بما جرى في مايو 2021، عندما عبر نحو 10 آلاف شخص إلى سبتة خلال أقل من يومين، بعد أن سمحت إسبانيا بدخول زعيم جبهة البوليساريو لتلقي العلاج في أحد مستشفياتها، وهو القرار الذي أثار غضب المغرب، واتهمت مدريد آنذاك الرباط بتخفيف الرقابة على الحدود.
لكن الأزمة الحالية تختلف عن سابقتها في نقطة جوهرية، إذ تؤكد كل من إسبانيا والمغرب أن العلاقات الثنائية بينهما تمر بمرحلة جيدة، ولا توجد أزمة سياسية معلنة يمكن أن تفسر هذا التدفق غير المسبوق.
لماذا تبدو الأزمة الحالية أكثر تعقيدا؟
رغم غياب الخلافات السياسية العلنية بين البلدين، فإن حجم الموجة الحالية يفوق بكثير ما شهدته سبتة في عام 2021، وهو ما يزيد من صعوبة احتواء الوضع ويطرح تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التدفق الكبير، سواء كانت مرتبطة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية في دول المنشأ، أو بنشاط شبكات تهريب البشر، أو بعوامل أخرى لم تتضح بعد.
وفي جميع الأحوال، تعيد الأزمة تسليط الضوء على سبتة باعتبارها إحدى أكثر نقاط العبور حساسية نحو أوروبا، وعلى التحديات المستمرة التي تواجهها إسبانيا والاتحاد الأوروبي في إدارة ملف الهجرة غير النظامية عند الحدود الجنوبية للقارة.