بعد التعديلات الأخيرة.. هل تؤدي تيسيرات التصالح إلى إنهاء مخالفات البناء؟
يشهد قانون التصالح في مخالفات البناء مرحلة جديدة من الجدل، بالتزامن مع مناقشة تعديلات تستهدف إزالة العقبات أمام المواطنين وتسريع تقنين الأوضاع، في وقت يرى فيه خبراء الإدارة المحلية أن التيسيرات المتتالية حققت إقبالًا كبيرًا على التصالح، لكنها في المقابل خلقت حالة من الترقب لدى بعض المخالفين انتظارًا لمزيد من التسهيلات.
وبين الدعوات إلى حسم التعديلات وعدم فتح الباب أمام تعديلات جديدة، تتزايد المطالب بربط الحصول على الخدمات الأساسية بإنهاء إجراءات التصالح لضمان إغلاق هذا الملف بصورة نهائية.
التعديلات الحالية الأكثر تيسيرًا منذ بدء تطبيق القانون
أكد الدكتور صبري الجندي، مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، أن التعديلات الأخيرة على قانون التصالح في مخالفات البناء تُعد من أكثر النسخ تيسيرًا منذ بدء تطبيق القانون، مشيرًا إلى أنها تمثل النسخة الثالثة من التعديلات التي أقرها مجلس النواب استجابة لمطالب المواطنين.
وقال الجندي، في تصريحات خاصة، إن كل تعديل جديد على القانون كان يصاحبه ارتفاع في أعداد طلبات التصالح، وهو ما يعكس اقتناع بعض المخالفين بإمكانية الحصول على مزيد من التيسيرات مع مرور الوقت، الأمر الذي يدفعهم إلى تأجيل استكمال الإجراءات بدلًا من الإسراع في إنهائها.
4.8 مليون طلب تصالح تكشف اتساع حجم المخالفات
وأوضح أن إجمالي طلبات التصالح المقدمة بلغ نحو 2.8 مليون طلب في المرحلة الأولى، إضافة إلى نحو مليوني طلب جديد حتى مايو الجاري، ليقترب إجمالي الطلبات من 4.8 مليون طلب، وهو رقم يتجاوز الحصر المبدئي الذي قدر المخالفات بنحو 3.6 مليون وحدة، ما يشير إلى أن التقديرات الأولية لم تكن دقيقة بالشكل الكافي.
وأضاف أن التعديلات الأخيرة تضمنت تسهيلات غير مسبوقة، من بينها السماح باستكمال أعمال البناء وصب الأسقف، إلى جانب تسهيلات مرتبطة بتوصيل المرافق، مثل الكهرباء والمياه والغاز، حتى في بعض الحالات التي لم يُحسم فيها ملف التصالح نهائيًا.
التيسيرات غيرت سلوك المواطنين
وأشار الجندي إلى أن هذه التيسيرات غيرت سلوك عدد من المواطنين، موضحًا أن المخالف في السابق كان يسعى إلى إنهاء إجراءات التصالح سريعًا خوفًا من وقف البناء أو التعرض لإجراءات قانونية، بينما أصبح حاليًا أكثر ميلًا إلى الانتظار في ظل استمرار التيسيرات، وهو ما قد يؤثر على سرعة إنهاء الملفات خلال الفترة المقبلة.
ربط الخدمات بإنهاء التصالح هو الحافز الحقيقي
وفيما يتعلق بملف العدادات الكودية ورفع شرائح استهلاك الكهرباء للمباني المخالفة، أوضح أن الحكومة تعتبر هذه الإجراءات وسيلة لدفع المواطنين إلى تقنين أوضاعهم، إلا أن بعض المخالفين يراهنون على إمكانية تعديل هذه القرارات أو التراجع عنها كما حدث في مراحل سابقة، وهو ما يحد من تأثيرها كوسيلة ضغط.
وأضاف: "إذا كان المواطن يحصل على الكهرباء والمياه والغاز ويستكمل أعمال البناء، فما الدافع الذي يجعله يُسرع في إنهاء إجراءات التصالح؟"، مؤكدًا أن الحافز الحقيقي يتمثل في ربط الحصول الكامل على الخدمات بإنهاء الإجراءات القانونية للتصالح.
دعوة إلى تطبيق ردع حقيقي للمخالفين
وشدد مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق على أن إنهاء ملف مخالفات البناء بصورة نهائية يتطلب تطبيق إجراءات ردع واضحة، تقوم على حرمان المخالف من الخدمات الأساسية، مقابل تمتع المواطن الملتزم بكامل حقوقه، مؤكدًا أن التيسيرات المتكررة خلقت لدى البعض توقعات بصدور مزيد من القرارات الأكثر مرونة مستقبلًا.
"نموذج 8" ليس إجراءً جديدًا
وفيما يتعلق بما يُعرف بـ"نموذج 8"، أوضح الجندي أن القانون منذ نسخته الأولى نص على وقف القضايا والإجراءات القانونية الخاصة بالمبنى المخالف بمجرد التقدم بطلب التصالح، وذلك لحين الفصل النهائي في الطلب، مؤكدًا أن هذا الإجراء ليس مستحدثًا ضمن التعديلات الأخيرة.
وأشار إلى أن بطء بعض إجراءات التخطيط العمراني يرتبط باستمرار ظاهرة البناء المخالف، حيث تؤدي التعديات المتكررة إلى إعادة رسم الأحوزة العمرانية وتحديث المخططات بصورة مستمرة، وهو ما ينعكس على معدلات تنفيذ أعمال التخطيط داخل عدد من المحافظات.
أمجد عامر: القانون عُدل أربع مرات وكفاية تعديلات
من جانبه، أكد الدكتور أمجد عامر، خبير الإدارة المحلية واستشاري تطوير المناطق العشوائية، أن قانون التصالح في مخالفات البناء شهد عددًا كافيًا من التعديلات، مشيرًا إلى أنه جرى تعديله أربع مرات، وهو ما يستوجب الانتهاء من مناقشاته وإقرار التعديلات المطلوبة دون تأخير.
وقال عامر، في تصريحاته، إن القانون "تم تعديله أربع مرات، وكفاية تعديلات"، موضحًا أن مجلس النواب وعددًا كبيرًا من النواب تقدموا بمطالب لتعديل بعض البنود، إلا أن استمرار فتح باب التعديلات بصورة متكررة لم يعد مناسبًا، مضيفًا: "الموضوع زاد عن حده".
الجراجات والمناطق الأثرية أبرز الملفات المطروحة
وأوضح أن من أبرز البنود التي طالب النواب بحسمها وضع صيغة نهائية للتعامل مع الجراجات، بما يسمح بالتصالح عليها وفقًا للاشتراطات التي يحددها القانون، مؤكدًا أن هذا الملف يمثل إحدى القضايا المهمة التي تحتاج إلى تنظيم واضح.
وأضاف أن المقترحات تضمنت أيضًا تنظيم التصالح في المناطق الأثرية وفق ضوابط محددة تراعي إجراءات التأمين الخاصة بهذه المناطق، إلى جانب السماح باستكمال أعمال الأدوار وصب الأسقف للمباني التي لم تستكمل أعمالها.
مطالب بإعفاء الواجهات وتبسيط الإجراءات
وأشار عامر إلى أن التعديلات المقترحة شملت إعفاء بعض الحالات من شرط تشطيب الواجهات، إلى جانب مد العمل بالقانون لمدة عام إضافي حتى يتزامن مع أعمال المسح الجوي في العام المقبل، بما يسمح بانضمام عدد أكبر من المخالفات لمنظومة التصالح.
كما طالب بتفويض المحافظين ورؤساء الأحياء لاعتماد نماذج (7 و8)، معتبرًا أن ذلك من شأنه إنهاء الإجراءات الروتينية وتسريع إنهاء الملفات.
ولفت إلى أهمية الاكتفاء بتقرير السلامة الإنشائية الصادر من مهندس نقابي، بدلًا من إلزام المواطنين بالحصول على تقرير من مكتب استشاري، بما يساهم في تسهيل الإجراءات وتسريعها.
خصم 50% لبعض الفئات لدعم استكمال التصالح
وأوضح أن من بين المقترحات أيضًا منح خصم بنسبة 50% من قيمة التصالح لحاملي بطاقات "تكافل وكرامة" والعمالة غير المنتظمة، لمساعدتهم على استكمال إجراءات التصالح في ظل عدم امتلاكهم دخلًا ثابتًا.
وأكد عامر أن إقرار التعديلات من شأنه تحقيق عوائد مالية كبيرة للدولة، موضحًا أن حصيلة التصالح ستصل إلى مليارات الجنيهات، وسيتم توجيهها إلى الصناديق الخاصة بالمحافظات والصندوق العام للدولة، لاستخدامها في تنفيذ المشروعات الخدمية والتنموية، مثل مشروعات الصرف الصحي ومياه الشرب والطرق.
وأضاف أن أي تأخير في إصدار القانون يؤدي إلى خسارة تلك المشروعات نتيجة تأخر توفير التمويل اللازم لاستكمالها أو تنفيذها.
التصالح يعزز القيمة السوقية للعقارات
وفيما يتعلق بتأثير التعديلات على سوق العقارات، أكد عامر أن إنهاء إجراءات التصالح واستخراج التراخيص القانونية يرفع من القيمة السوقية للعقار بصورة كبيرة، موضحًا أن الوحدة التي تستكمل إجراءات التصالح تصبح أكثر أمانًا من الناحية القانونية والإنشائية، وهو ما يزيد من فرص بيعها وشرائها، وقد تصل قيمتها إلى ضعف سعر الوحدات غير المرخصة، نظرًا لتمتعها بوضع قانوني يسمح بتداولها بسهولة في السوق.