عاجل

في ساعتين داخل قاعة مسرح، نضحك ونبكي، ونعيد التفكير في أنفسنا، نري حيوات مختلفة ونعيش تفاصيل مرات تشبهنا  وتعبر عنا ومرات أخرى تأخذنا لعالم موازي، الاهم  اننا نخرج من عروضه أخف مما دخلنا، بطاقة شحن و حماس متجدد لأفكار أوسع ، و قلب أكثر قدرة علي المحبة وعقل أكثر طاقة علي الإبداع..

لذلك يقول الأديب الإنجليزي وليام شكسبير: “الدنيا مسرح كبير، وكل الرجال والنساء ما هم إلا ممثلون.”  وهي الجملة التي سمعناها بصوت العبقري  يوسف وهبي ما الدنيا الا مسرح كبير ، وربما لهذا السبب يظل المسرح أحد أكثر الفنون قدرة على ملامسة الإنسان؛ لأنه لا يكتفي بأن يحكي لنا قصة، بل يمنحنا فرصة لنعيشها.

ويقول الكاتب الأمريكي آرثر ميلر: “المسرح هو المكان الوحيد الذي يمكن أن ترى فيه روح الإنسان وهي تتحرك أمامك" ،  وهي جملة تختصر قيمة الفن الحقيقي الذي يُصنع من أجل الناس، لا من أجل الأضواء.

المسرح ليس ترفًا، بل هو غذاء للروح، ومرآة للمجتمع، وجسر بين الأجيال ...

وسط هذا المشهد، أسعدني جدًا أن أرى الفنان سامح حسين يقدم تجربة مختلفة، ليس فقط كممثل وبطل، ولكن كمنتج أيضًا. .اختيار صعب في زمن أصبحت فيه المغامرة بالإنتاج المسرحي ليست سهلة، لكنه اختار أن يرسم طريقه بنفسه، وأن يسعى إلى ترك أثر، لا مجرد إضافة عمل جديد إلى رصيده الغني بتجارب فنية وثقافية محترمة .

ذهبت مع أسرتي لمشاهدة مسرحية “بوكس العيلة”، وكانت تجربة أعادت إلي إحساسًا افتقدناه أن تكون الخروجة العائلية بسيطة، وقريبة، ومبهجة.. لا جمل خادشة للحياء ولا مشاهد مستفزة .. وفي نفس الوقت محتوي مضمون يطرح احد اهم القضايا المجتمعية في قالب كوميدي غنائي استعراضي ، اين ذهبت العائلة ولماذا انشغلنا عن الاستمتاع بما يجمعنا . 
معادلة السهل الممتنع ، بمسرح في مكان يسهل الوصول إليه، وتذكرة بسعر معقول، وأسرة من أربعة أفراد تستطيع أن تضحك وتستمتع، ثم تعود إلى بيتها دون أن تتحول الخروجة إلى عبء على ميزانية الشهر. في زمن أصبحت فيه تكلفة الترفيه مرتفعة، هذه القيمة في حد ذاتها تستحق التقدير.

ما أعجبني أكثر هو أن العمل لا يعتمد فقط على اسم النجم، بل على فريق يعرف كيف يصنع المسرح؛ الكاتب أحمد الملواني، والمخرج إسلام إمام، ومجموعة من الممثلين الموهوبين الذين يقدمون عرضًا خفيفًا وممتعًا يحترم الجمهور.

وأثناء العرض، تذكرت سؤالًا ظل يراودني منذ سنوات: لماذا تراجع إنتاج المسرح لدينا؟ ولماذا أصبح الذهاب إلى المسرح استثناءً بعد أن كان عادة ثقافية؟ ما زلت أذكر أنني شاهدت مرتين مسرحية “المتفائل”  التي ابدع فيها سامح حسين وكانت نقلة في مساره الفني عندما قدمها على المسرح القومي ، لأن المسرح الحقيقي يجعلك ترغب في العودة إليه مرة أخرى، لا لأنه يكرر نفسه، بل لأنك في كل مرة تكتشف معنى جديدًا.

ربما نحتاج اليوم إلى أن ننظر إلى المسرح باعتباره استثمارًا في الإنسان، لا مجرد مشروع فني. فكل عرض جيد يخلق جمهورًا جديدًا، وكل طفل يدخل المسرح لأول مرة قد يصبح قارئًا، أو فنانًا، أو مواطنًا أكثر وعيًا.

لهذا، أتمنى أن نرى مزيدًا من النجوم يخوضون هذه المغامرة، وأن تعود خشبات المسرح ممتلئة بالعروض التي تجمع العائلة، وتعيد للثقافة مكانها الطبيعي في حياتنا.

لأن المسرح، في النهاية، لا يمنحنا مجرد ساعتين من الترفيه… بل يمنحنا تفاصيل جديدة نعيشها، ويعيد إلينا شيئًا من إنسانيتنا في كل مرة تفتح فيها الستارة.

تم نسخ الرابط