عاجل

كان رد الإدارة المصرية للأزمة على قدر كبير من الاحترافية العالية، ونجحت بالفعل في إفساد مخطط لجر مصر لحرب مع إيران، مع إنقاذ ميناء دمياط من تفجيرات وتبعات وحرائق كبيرة؛ ذلك أن موقف مصر من الحرب كان ولا يزال متوازنًا، بل ومارسنا ولا نزال دور الوساطة، وهو موقف تحترمه كل الأطراف، ولا أعتقد أن حادثة كهذه ستتسبب في توريطنا في حروب غيرنا.

ويخطئ من يظن أن الدولة المصرية، بما تمتلكه من مؤسسات راسخة، وقدرات متطورة، وخبرات إستراتيجية متراكمة، وأدوات شاملة، وجبهة داخلية متماسكة وواعية، يمكن أن تبني قراراتها المصيرية استجابةً لاستفزازٍ مُعدٍّ لها، أو ردًا على فعلٍ أحمق؛ فضبط النفس المصري له مدرسته الخاصة بالتفاعل السريع والحاسم حتى لا يكون الأمر داعمًا لأعدائنا.

ولأن الإعلام هو السلاح الأهم في التوقيت الحالي، وأي كلمة يجب أن تكون محسوبة؛ ففي القضايا اللي بتمس الأمن القومي من الطبيعي أن تعتمد وسائل الإعلام المحلية على البيانات الرسمية حتى لا تنشر معلومات غير مؤكدة أو تؤثر على سير التحقيقات. خذ مثلاً قناة سكاي نيوز؛ استعرضت احتمالات انطلاق المسيرة التي قصفت ميناء دمياط وقالت: إن كانت أتت من إيران فالمسيرة قطعت 2100 كيلو متر، ومن اليمن قطعت 2200 كيلو متر، ومن العراق 900 كيلو، ومن لبنان 600 كيلو، واستبعدت القناة أي احتمال لانطلاقها من الكيان رغم أنه الاحتمال الأكبر. صحيح السبق الصحفي مهم، لكن الدقة والمسؤولية أهم، خصوصًا في أحداث ممكن يكون ليها أبعاد أمنية وعسكرية.

وما جرى لا يحتاج إلى أدلة وبراهين كثيرة لندرك أن هناك من يدفعون في اتجاه واحد: اتجاه جرّ مصر إلى حافة النار؛ فبعض النوايا لا تحتاج إلى اعترافات مكتوبة، ولا إلى خطب طويلة أمام الكاميرات، يكفي أن تراقب الضجيج وردود الأفعال، وتقرأ ما بين السطور، وتلاحظ كيف تتحول كل شرارة صغيرة إلى محاولة لإشعال حريق كبير. الطابور الخامس، وكل من له كفيل في الخارج، وتجار الأوطان، والمتآمرون على مصر والطامعون فيها، وكل من ضاق ذرعًا بحكمتها، كل هؤلاء يتعجلون المواجهة بين مصر وإيران.

علماءً بأن كل الأطراف المتصارعة لها مصلحة مباشرة في دخول مصر للحرب لاعتبارات مختلفة؛ فعقيدة المؤسسة العسكرية المصرية على مدى العقود الماضية ترتكز بشكل أساسي على الردع وحماية الحدود دون الاستدراج إلى صراعات خارجية استنزافية. مصر مدركة تمامًا لخطورة الاتساع الإقليمي لأي مواجهة، وتدير أزماتها المعقدة (سواء على الحدود الشرقية، أو في ليبيا، أو السودان، أو البحر الأحمر) بهدوء وحكمة شديدين لمنع جر البلاد إلى حرب دامية غير محسوبة؛ نختلف في بعض الملفات الداخلية، لكن في الملفات الخارجية هناك حساب مصري دقيق لتكلفة كل خطوة.

المنطقة ما زالت حبلى بالأحداث، ومحاولات العبث في مقدراتها وإعادة تشكيل المنطقة وقواها وتوازناتها ما زالت تتواصل بكل همة ودون كلل أو يأس.

وعلينا أن ننظر لهذه الحادثة من هذا المنظور؛ فالقادم طويل وكثير ومخاطره لا تقل حجمًا ومدى وتعقيدًا، وعلينا أن ننقتنع بأننا نعيش الآن في منطقة مأزومة:

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

تم نسخ الرابط