عاجل

صحيح أن الضربات الأمنية نجحت في هدم التنظيم بشكله القديم، وأن قيادته تعاني انقسامات حادة، وتتداعى أعمدته تحت ضغط حرب الجبهات والصراع المعلن على مقعد المرشد بين جبهة لندن بقيادة صلاح عبد الحق خليفة ابراهيم منير ، وجبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين.
لكن الواضح أن التنظيم يغيّر الآن جلده، وأن قيادته فقدت السيطرة التقليدية على الجيل الجديد من الإخوان، وتحديدًا أبناء القيادات التي هربت إلى الخارج، والذين وجدوا في أوروبا والولايات المتحدة ملاذًا آمنًا قبل سنوات، ثم قرروا توظيف هذا الوجود في خدمة التنظيم، حتى أصبح لدينا جيل جديد من "إخوان المهجر"، يمثل تحديًا أمنيًا متصاعدًا يستوجب المتابعة في مصر والعديد من الدول العربية.
الحكاية تبدأ عام 1954 وخروج عدد من قيادات التنظيم الارهابى، وبينهم سعيد رمضان صهر حسن البنا الذى استقر فى سويسرا واسس فى اوروبا أول قاعدة تنظيمية للإخوان في الخارج ، لتصبح لاحقًا نقطة ارتكاز لانتشار عناصر التنظيم في عدد من الدول الأوروبية ، وتحديدا فرنسا والمانيا وهولندا وقد وفر هذا الانتشار إطارًا لتنسيق العلاقات بين الفروع الخارجية، ورسخ البعد العابر للحدود في نشاط التنظيم الارهابى خلال العقود التالية.

سعيد رمضان قام بتأسيس ودعم عدد من المؤسسات والمراكز الإسلامية التي أدت دورًا في استقطاب الكوادر وتوسيع دائرة التنظيم الارهابى في أوروبا، كما ساهم في تعزيز الروابط مع الاتحادات والمنظمات الطلابية الإسلامية التي شهدت نموًا ملحوظًا منذ أواخر ستينيات القرن العشرين. 
ومع مرور الوقت، لم يعد التنظيم يعتمد فقط على كوادره التقليدية، بل أفرز جيلًا جديدًا من أبناء قياداته المقيمين في الخارج. هذا الجيل وُلد ونشأ خارج مصر، وفي بيئةٍ كارهةٍ للدولة المصرية تمامًا، وعاش في أجواء مظلوميةٍ مصطنعةٍ اخترعها الآباء الهاربون من جرائم ارتُكبت باسم التنظيم ضد مصر، وهو ما أوجد جيلًا تختلف أدواته وأساليب تحركه عن الأجيال السابقة، مع احتفاظه بالانتماء الأيديولوجي للتنظيم.
يتقدم "إخوان المهجر" اسمٌ مثير للجدل، هو طارق رمضان، نجل سعيد رمضان، وأحد أبناء الجيل الذي نشأ في أوروبا ويحمل جنسية مزدوجة. وقد مثّل نقطة انطلاق مهمة للحضور الإخواني داخل المجالين الأكاديمي والإعلامي في أوروبا، ويمكن اعتباره جسر العبور الذي انتقلت عبره الجماعة من الاعتماد على القيادات التنظيمية التقليدية إلى الاستثمار في جيل جديد من المؤثرين المنتمين إلى أبناء المهجر و حظي "طارق" بحضور واسع، خاصة بين الشباب، واعتمد أسلوبًا مختلفًا في مخاطبتهم واستقطابهم، بعيدًا عن الصورة النمطية لقيادات الإخوان، بينما ظل، وفق العديد من الدراسات، يؤدي أدوارًا داعمة لتحركات الجماعة السياسية والفكرية في أوروبا .
غير أن هذه الصورة تعرضت لاهتزاز كبير عندما بدأت وسائل الإعلام الغربية تتناول سلسلة من الاتهامات الموجهة إليه بالاعتداءات الجنسية والاغتصاب، لتتحول القضية إلى واحدة من أبرز القضايا التي شغلت الرأي العام الأوروبي، وفي السنوات اللاحقة، صدرت بحقه أحكام قضائية في عدد من هذه القضايا رغم دفاع اذرع التنظيم الاعلامية عنه والدعم القانونى من جانب مؤسسات حقوقية تابعة للتنظيم .
تحول رمضان الى رمز لدى اخوان المهجر وبدأت عملية إعادة هندسة كاملة للتنظيم الدولي، هدفها إنتاج نسخة جديدة من قيادات التنظيم أقل صدامًا في الشكل، وأكثر قدرة على النفاذ إلى المجتمعات الغربية، دون أن تتخلى عن مشروع الخلافة  الذي قام عليه التنظيم منذ نشأته فى كنف اجهزة الاستخبارات الغربية .
فى كواليس التنظيم تتم عملية توريث من القيادات الى ابنائهم من الاجيال الجديدة ، هذه الاجيال تسعى لتحقيق اهداف التنظيم بوسائل مختلفة وتستمر فى نشاط التجنيد وتنفيذ المخططات ضد الدول العربية المستهدفة، وعلى رأسها مصر ، واصبح هناك رموز جديدة مثل محمد صلاح سلطان ابن القيادى صلاح سلطان وصاحب الجنسية الامريكية ، وانس حبيب ، وقيادات حركة ميدان وسمية راشد الغنوشى رئيسة تحرير "مجلة ميم"، والتى تخصصت فى الهجوم على مصر وغيرهم  وقد اعتمد هذا الجيل على فكرة قريبة من اسلوب الذئاب المنفردة ولكن فى المجال الاعلامى وهو ما يمكن ان نطلق عليه المؤثرين اللامركزيين، بحيث يعمل كل فرد على بناء عالمه الخاص من المتابعين، مستغلًا الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، حتى أصبحت الهواتف الذكية المنفذ الرئيس للوصول إلى الأجيال الجديدة.
واعتمد هذا الجيل على سلاح الفيديوهات المصورة، التي يمرر من خلالها رسائله وتوجهاته من دون الإشارة المباشرة إلى التنظيم، بما يمكن وصفه بمحاولة لتنفيذ عملية هندسة إدراكية تستهدف صناعة وعي زائف لدى الأجيال الجديدة التي لم تعاصر فترة حكم الإخوان أو الجرائم التي ارتُكبت باسم التنظيم. 
ويهدف هذا الخطاب، إلى استمالة هؤلاء الشباب للرسائل التي يسعى التنظيم إلى ترويجها في مصر وتونس وغيرها من الدول العربية، تمهيدًا لتكرار سيناريوهات عام 2011 باستخدام الأدوات نفسها ،وتبدأ هذه العملية بصناعة حالة من الكراهية تجاه الدولة وقيادتها ومؤسساتها، مرورًا باستقطاب عناصر جديدة والدفع بها إلى الاحتجاج وإحداث اضطرابات داخلية، وصولًا إلى تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بما يجعلها أكثر تعقيدًا وصعوبة في الاحتواء.
ومن هنا بدأ الاستثمار الحقيقي في أبناء قيادات المهجر لا باعتبارهم ورثة لأسمائهم العائلية فقط، وإنما لأنهم يمثلون جيلًا مختلفًا تمامًا، جيل درس في الجامعات الغربية، وعمل داخل المؤسسات الحقوقية والإعلامية، ويجيد مخاطبة البرلمانات ومراكز الأبحاث، أكثر مما يجيد إدارة الأسر التنظيمية أو حلقات التربية التقليدية .
إن أخطر ما في "إخوان المهجر" ليس أنهم يمثلون امتدادًا لجيل قديم، بل أنهم يمثلون محاولة لإعادة إنتاج التنظيم في صورة أكثر حداثة وأقل إثارة للريبة!  فالمعركة لم تعد مع تنظيم هرمي يسهل رصده، وإنما مع شبكة من المؤثرين والكيانات والمنصات الرقمية العابرة للحدود، تتبنى خطابًا جديدًا وتستخدم أدوات أكثر تطورًا للوصول إلى العقول قبل الشوارع. 
ذلك الخطر المتجدد يستلزم اليقظة الدائمة، والعمل على تحصين الأجيال الجديدة ضد محاولات التلاعب بالإدراك وصناعة السرديات الزائفة، فالتنظيم الذي خسر معركته على الأرض، يسعى اليوم إلى كسب معركته في الفضاء الرقمي، مستهدفًا عقول النشء قبل أي شيء آخر. 
فكل هاتف في يد طفل أو مراهق قد يكون نافذة مفتوحة على عالم لا يدرك الآباء تفاصيله، وكل دقيقة يقضيها الأبناء على المنصات الرقمية تستوجب قدرًا من المتابعة والحوار، وبناء الوعي الحقيقي لدى جيل لم يعاصر جرائم التنظيم، ولم يشهد ما ارتُكب باسم شعاراته، حتى لا يقع فريسة لروايات مزيفة تحاول إعادة إنتاج الماضي المؤلم في ثوب جديد.

تم نسخ الرابط