عاجل


 

حين نتحدث عن المصريين في الخارج، فإننا لا نتحدث عن جاليات تعيش بعيدًا عن الوطن، وإنما عن امتداد طبيعي للدولة المصرية، وعن قوة وطنية ناعمة تحمل اسم مصر في مختلف القارات، وتشارك في صناعة صورتها، وتدافع عن مصالحها، وتدعم اقتصادها، وتؤكد في كل أزمة أن المسافة الجغرافية لا يمكن أن تضعف رابطة الانتماء، ومن هنا تأتي أهمية انعقاد النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج، الذي تنطلق أعماله بعد غد الأحد بالعاصمة الإدارية الجديدة، برعاية وزارة الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج، ليؤكد أن التواصل مع أبناء الوطن في الخارج لم يعد مناسبة موسمية، وإنما أصبح سياسة دولة، ونهجًا مستدامًا يترجم توجيهات القيادة السياسية بفتح قنوات الحوار المباشر مع ملايين المصريين المنتشرين حول العالم.
لقد أدركت الدولة المصرية، بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، منذ سنوات، أن المصريين في الخارج ليسوا مجرد مصدر للتحويلات المالية، رغم أهميتها الاستثنائية، وإنما يمثلون ثروة بشرية هائلة، تضم علماء وخبراء وأطباء ومهندسين ورجال أعمال ومستثمرين وأصحاب كفاءات يشغلون مواقع مؤثرة في كبريات المؤسسات الدولية، ويمكن أن يكونوا شركاء حقيقيين في مسيرة بناء الجمهورية الجديدة.
ولعل الأرقام وحدها تكفي لتوضيح حجم هذه القوة الاقتصادية، فقد واصلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج تحقيق مستويات قياسية، حيث بلغت نحو 43.1 مليار دولار خلال الأحد عشر شهرًا الأولى من السنة المالية 2025/2026، بنسبة نمو تجاوزت 31% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو رقم يعكس ثقة أبناء مصر في اقتصاد وطنهم، ويؤكد أن المصريين بالخارج ظلوا، ولا يزالون، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي ودعائم الاستقرار الاقتصادي، لكن القيمة الحقيقية لهذه التحويلات لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما تعنيه من رسائل انتماء، فكل دولار يصل إلى مصر يحمل في داخله قصة مواطن لم ينس وطنه، وأسرة تحافظ على ارتباطها بجذورها، وشعورًا بالمسؤولية الوطنية يتجاوز الحدود.
لقد مرت مصر خلال السنوات الماضية بظروف استثنائية فرضتها الأزمات الدولية المتلاحقة، بدءًا من تداعيات جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، والتوترات الإقليمية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وما ترتب عليها من ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، وفي مواجهة هذه التحديات، أثبت المصريون في الخارج أنهم جزء أصيل من منظومة الصمود الوطني، وأنهم حاضرون دائمًا عندما يحتاجهم الوطن، سواء من خلال التحويلات المالية، أو الاستثمارات، أو نقل الخبرات، أو الدفاع عن صورة مصر في المجتمعات التي يقيمون فيها، واليوم ومع استمرار الدولة في تنفيذ برنامجها للإصلاح الاقتصادي، وإطلاق المزيد من المشروعات القومية، وجذب الاستثمارات، فإن الآمال تتجه إلى تعظيم مساهمة المصريين بالخارج في هذه المرحلة، ليس فقط عبر التحويلات، وإنما من خلال الاستثمار المباشر، ونقل التكنولوجيا، والمشاركة في الصناعات الحديثة، ودعم الاقتصاد المعرفي، والاستفادة من الخبرات التي اكتسبوها في مختلف دول العالم.
إن مصر لا تطلب من أبنائها في الخارج أكثر مما يقدمه الأبناء لوطنهم بإرادة صادقة، لكنها في المقابل تعمل على إزالة العقبات، وتطوير الخدمات القنصلية، وإطلاق المبادرات التي تسهل ارتباطهم بالوطن، وتمنحهم فرصًا أكبر للمشاركة في عملية التنمية، ومن هنا تبرز أهمية مؤتمر المصريين بالخارج، باعتباره منصة حوار حقيقية، تستمع فيها مؤسسات الدولة إلى مقترحات المصريين في الخارج، وتناقش معهم التحديات التي تواجههم، وتبحث أفضل السبل للاستفادة من إمكاناتهم، في إطار علاقة تقوم على الشراكة والثقة والاحترام المتبادل.
ويحسب لوزارة الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج أنها نجحت خلال السنوات الأخيرة في إحداث نقلة ملموسة في هذا الملف، سواء من خلال توسيع نطاق التواصل المباشر مع الجاليات المصرية، أو عبر إطلاق مبادرات تستجيب لاحتياجاتهم، وتربطهم بصورة أكبر بوطنهم الأم، وفي هذا السياق، يبرز الدور الذي يقوم به الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج، الذي جعل من التواصل مع أبناء مصر في الخارج أولوية دائمة في تحركاته الخارجية، مؤكدًا في كل لقاء أن المصريين بالخارج يمثلون جزءًا أصيلًا من قوة الدولة المصرية، وأن الاستثمار في علاقتهم بوطنهم هو استثمار في مستقبل مصر ذاته، كما يستحق السفير نبيل حبشي، مساعد وزير الخارجية للتعاون الدولي والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، التقدير على الجهد الكبير الذي يبذله في التواصل المستمر مع الجاليات المصرية، والاستماع إلى مشكلاتهم، والعمل على تذليل العقبات التي تواجههم، فضلًا عن حرصه على تعزيز مساهمة المصريين بالخارج في الاقتصاد الوطني، انطلاقًا من قناعة راسخة بأنهم أحد أهم روافد التنمية الشاملة.
والحقيقة أن نجاح أي مؤتمر لا يقاس فقط بعدد الحضور أو حجم الكلمات التي تلقى على منصته، وإنما بما يخرج به من سياسات قابلة للتنفيذ، وبما ينجح في بنائه من جسور ثقة بين الدولة وأبنائها في الخارج، ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من مفهوم "رعاية المصريين بالخارج" إلى مفهوم "الشراكة مع المصريين بالخارج"، بحيث يصبحون شركاء في رسم السياسات المتعلقة بهم، وفي صياغة المبادرات الاقتصادية، وفي دعم خطط الاستثمار، وفي نقل الخبرات العلمية والتكنولوجية، وفي تعزيز القوة الناعمة المصرية عالميًا، كما أن هناك فرصة كبيرة لتوسيع مشاركة الكفاءات المصرية بالخارج في ملفات الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة الجديدة، والصناعات المتقدمة، والتعليم، والرعاية الصحية، وهي مجالات تمتلك فيها الكفاءات المصرية بالخارج خبرات عالمية يمكن أن تمثل قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد الوطني.
إن العالم اليوم يعيش مرحلة غير مسبوقة من التحولات السياسية والاقتصادية، ولم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تملكه داخل حدودها، وإنما أيضًا بما تمتلكه من أبناء ناجحين في الخارج، قادرين على التأثير في الاقتصاد العالمي، وصناعة القرار، ونقل المعرفة، وبناء الشراكات الدولية، وإذا كانت مصر تمتلك ملايين المواطنين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، فإنها تمتلك، في الوقت نفسه، فرصة تاريخية لتحويل هذا الانتشار إلى قوة استراتيجية شاملة، تخدم أهداف التنمية، وتعزز مكانة الدولة المصرية إقليميًا ودوليًا.
لقد أثبتت التجارب أن الانسان المصري، أينما ذهب، يحمل وطنه في قلبه، وأن ارتباطه بمصر لا ينقطع مهما ابتعدت المسافات، ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في الأموال التي يحولها، بل في عقله، وخبرته، وعلاقاته، وتأثيره، وقدرته على فتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد المصري، ويأتي مؤتمر المصريين بالخارج هذا العام في توقيت بالغ الأهمية، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات سياسية واقتصادية متسارعة، الأمر الذي يجعل من وحدة الصف الوطني، وتكاتف المصريين في الداخل والخارج، أحد أهم عناصر القوة التي تمتلكها الدولة المصرية.
ويبقى الرهان الأكبر هو استمرار هذا الحوار الوطني المفتوح بين الدولة وأبنائها في الخارج، لأن المصريين، في كل مكان، كانوا وسيظلون أحد أهم أعمدة الوطن، وشركاء حقيقيين في مسيرة التنمية، وحراسًا لصورة مصر، وسفراء لها في العالم، فالوطن لا يُقاس بالمسافات، وإنما بعمق الانتماء... والمصريون في الخارج أثبتوا، مرة بعد أخرى، أن قلوبهم ما زالت تنبض باسم مصر، وأنهم سيظلون، كما كانوا دائمًا، قوة مصر الهادئة، وسندها الموثوق، وشريكها في صناعة المستقبل.

تم نسخ الرابط