ليست قوةُ الأمم في كثرة سلاحها وحده، ولا في ارتفاع أصواتها، وإنما في جيشٍ مستعد، وقيادةٍ حكيمة، وشعبٍ يدرك أن الانفعال قد يهدم في لحظة ما تبنيه الحكمة في سنوات. وإذا كانت الحروب تُشعلها كلمة، فإن العقول الرشيدة هي التي تمنح القدرة والتفوق، وتحفظ للأوطان أمنها واستقرارها.
من هنا كانت قوة مصر عبر تاريخها الطويل .. ليست في سلاحها فقط، بل في اجتماع القوة مع الحكمة، والاستعداد مع ضبط النفس، والقدرة مع حسن التقدير.
لقد خصَّ الله تعالى مصر بذكرها في كتابه الكريم في غير موضع، كقول تعالي: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ فكانت نعمة من نعم الله أن بلادنا تنعم في كل مراحلها بنعمة الأمن والأمان بفضل من الله ثم بقوة وحكمة جيشها وشعبها، فالأمن أساس العمران، وبدونه لا تقوم حضارة ولا تزدهر حياة.
وقد أوصى النبي ﷺ بأهل مصر خيرًا، فقال في الحديث: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمَّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمةً ورحمًا». فمصر ليست بلدًا عابرًا في التاريخ الإسلامي، وإنما أرضٌ لها مكانتها، وأهلها لهم حق الوصية والإكرام.
ومن أعظم ما أمر به الإسلام إعداد القوة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهذا هو ما فعلته مصر منذ سنوات.
ثم بيَّن النبي ﷺ معنى القوة فقال: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». فالإعداد العسكري، والتدريب، وامتلاك وسائل الردع، كلها من صميم توجيهات الإسلام، لأنها تحفظ الأوطان.
كما رفع الإسلام شأن المرابطين الذين يحمون حدود أوطانهم، فقال النبي ﷺ: «رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها»، وقال أيضًا: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله». إنها منزلة عظيمة لكل من يسهر لحماية البلاد وصيانة أمنها.
غير أن الإسلام لم يجعل القوة مرادفةً للتهور دون تمييز، بل قرنها بالحكمة. فالنبي ﷺ، وهو القائد المنتصر، قبل صلح الحديبية رغم ما بدا فيه من شروط شاقة، لأن نظره كان إلى مصلحة الأمة البعيدة، فكان الصلح فتحًا عظيمًا، ونزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
لقد أثبتت الأيام أن ضبط النفس، حين يكون عن قوة لا عن ضعف، قد يحقق من المكاسب ما لا تحققه المعارك.
وهكذا تكون الدول القوية؛ تستعد دائمًا، لكنها لا تتعجل الحرب، وتمتلك القدرة على الرد، لكنها لا تنساق وراء الانفعال، لأن القرار العسكري ليس لحظة غضب، وإنما هو ميزان دقيق تُراعى فيه مصالح الوطن وأمن المواطنين.
نسأل الله أن يحفظ مصر، وجيشها، وشرطتها، وسائر من يسهرون على أمنها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يجعلها دائمًا كما وصفها القرآن: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.