إن الرشوة من أخطر العوامل التي تُفسد جسد المجتمعات، وتنتهك منظومة القيم الأخلاقية؛ فهي تُفسد ذمة الفرد، ثم تمتد آثارها لتقوض العدالة، وتهدر مبدأ تكافؤ الفرص، وتزعزع ثقة الأفراد في بعضهم البعض، وكذلك في مؤسسات الدولة. وإذا استشرت هذه الآفة وعمَّ أثرها، تغلبت المحاباة على الكفاءات، وضاعت الأمانات، واختل ميزان الكفاءة والعدل الذي تقوم عليه حياة الأمم.
وبعض الناس يُلبِّس عليه إبليس أنها وسيلة لتيسير المصالح، كما يتوهم البعض بأنها «فهلوة»؛ كلا، بل إنها معول هدم لمنظومة المجتمع، وإهدار لجهود أصحاب الخبرة والمعرفة.
فمن يأخذ الرشوة فقد خان الأمانة التي استؤمن عليها، وفي المقابل فإن من يدفع الرشوة ليظفر بما ليس له فيه حق، فقد أسهم في صناعة الفساد ورسخ أسبابه.
ولا يمكن لمجتمع تُباع فيه الضمائر، وتُهدر فيه الحقوق، أن ينهض أو تتحقق فيه تنمية حقيقية؛ فإن القضاء على الرشوة يبدأ برفضها في النفوس، وأن تتمعر منها الوجوه، ويمتنع الأفراد عن الاقتراب منها، وألا يسكتوا على مرتكبيها، وأن يشاركوا في كشفها والإبلاغ عن المشاركين فيها، مع استشعار أن مقاومة الفساد مسؤولية جماعية يتحملها كل فرد حسب موقعه.
وهذا من مقاصد الشريعة الإسلامية، كما أوضحته فيما يأتي:
حرمة الرشوة بكل صورها وأشكالها
وكما هو معلوم في تعريف الرشوة، فهي: كل مال أو منفعة تُبذل لشخص ليحكم بغير حق، أو يمتنع عن الحكم بالحق، أو يؤدي وظيفته المنوطة به بمقابل، زعمًا منه أن ما يتقاضاه عليها غير كافٍ، سواء صدرت من موظف عام أو غيره؛ لأنها تؤدي إلى ضياع الحقوق، وتعطيل مصالح العباد، وتحويل الوظائف والأمانات إلى وسائل للتربح غير المشروع. وهذه صور من صور الفساد التي جرَّمتها الشريعة الغراء.
وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
وبهذا عدَّها الإسلام لونًا من ألوان أكل أموال الناس بالباطل، ونهى عنها أشد النهي. وهذه الآية تبين حرمة أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم استخدام المال للتأثير في أصحاب السلطة من ضعاف النفوس؛ من أجل اغتصاب الحقوق.
قال البغوي: «أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، أي: من غير الوجه الذي أباحه الله، وأصل الباطل الشيء الذاهب، والأكل بالباطل أنواع؛ فقد يكون بطريق الغصب والنهب، وقد يكون بطريق اللهو، كالقمار ونحوه، وقد يكون بطريق الرشوة والخيانة».
وكما جاء في شرح الشيخ عبد الرحمن أبو زهرة: «إن هذا النص الكريم يدل على حرمة الرشوة، وقد سماها في موضع آخر السحت، ويدل على أن الرشوة أكل لأموال الناس، وإفساد للحكم، وضياع للعدل».
وقد أكد الله تعالى على حرمة أكل مال الغير إلا أن يكون حلالًا طيبًا، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
فأوضح الله تعالى أن الطريق المشروع لاكتساب الأموال هو الكسب الحلال المبني على الرضا، لا على الرشوة، ولا على ظلم العباد واستغلال النفوذ.
ونستكمل الجمعة القادمة، بإذن الله.