ليست الأدعية في مدرسة الإمام علي بن الحسين زين العابدين مجرد كلمات تُتلى طلبًا للثواب، وإنما هي منهج متكامل لإعادة بناء الإنسان من الداخل. ومن أبلغ النماذج على ذلك هذه الفقرة العظيمة من دعائه، التي لا يكتفي فيها بطلب المغفرة من الله، بل يربطها بحقوق الناس، ويجعل ردَّ المظالم شرطًا حاضرًا في ضمير المؤمن.
يفتتح الإمام بقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ نَذْرٍ نَذَرْتُهُ... وَكُلِّ عَهْدٍ عَاهَدْتُهُ ثُمَّ لَمْ أَفِ بِهِ»، فيعلّم الإنسان أن الوفاء بالوعد والعهد ليس خُلُقًا اجتماعيًا فحسب، بل عبادة يُسأل عنها بين يدي الله. فكم من الناس يظنون أن الذنب هو ما كان بين العبد وربه فقط، بينما يلفت الإمام الأنظار إلى أن إخلاف الوعد، ونقض العهد، والتهاون في الالتزامات، كلها مما يحتاج إلى استغفار وتوبة.
ثم ينتقل الدعاء إلى مستوى أعمق، فيقول: «وَأَسْأَلُكَ فِي حَمْلِ مَظَالِمِ الْعِبَادِ عَنَّا». إنها عبارة تهز القلب؛ لأن الإمام لا يتحدث عن ذنوبه الخاصة، وإنما يخشى أن يلقى الله وفي عنقه حق لإنسان آخر. وهنا تتجلى عظمة التربية الإسلامية؛ فحقوق العباد ليست أمرًا ثانويًا يمكن تعويضه بكثرة الصلاة أو الصيام، بل هي من أعظم ما يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة.
ولذلك جاء الدعاء شاملاً لكل صور الظلم، فلم يحصرها في الأموال، بل عدّدها بدقة مدهشة: ظلم النفس، والاعتداء على العرض، وأكل المال، والإساءة إلى الأهل والولد، ثم انتقل إلى الذنوب التي يستهين بها كثير من الناس، فقال: «أَوْ غِيبَةٌ اغْتَبْتُهُ بِهَا». فكلمة واحدة تُقال في غياب إنسان قد تصبح مظلمة تحتاج إلى رد واعتذار.
ولم يقف الإمام عند الأفعال، بل كشف جذور الظلم في النفس، فقال: «أَوْ تَحَامُلٌ عَلَيْهِ بِمَيْلٍ أَوْ هَوًى، أَوْ أَنَفَةٍ، أَوْ حَمِيَّةٍ، أَوْ رِيَاءٍ، أَوْ عَصَبِيَّةٍ». وكأنه يقول إن الظلم لا يبدأ باليد، وإنما يبدأ بالقلب حين يسيطر عليه الهوى، أو الكبر، أو التعصب، أو حب الظهور. إنها قراءة أخلاقية دقيقة لأسباب انحراف الإنسان.
ثم يبلغ الدعاء ذروة الصدق حين يعترف صاحبه بعجزه: «فَقَصُرَتْ يَدِي وَضَاقَ وُسْعِي عَنْ رَدِّهَا إِلَيْهِ وَالتَّحَلُّلِ مِنْهُ». فقد يكون المظلوم قد مات، أو غاب، أو تعذر الوصول إليه، فيلجأ العبد إلى الله طالبًا أن يرضيه عنه بما شاء من فضله. لكن هذا لا يعني إسقاط حق العباد بالدعاء وحده؛ بل هو دعاء في الحالات التي يتعذر فيها الوصول إلى المظلوم بعد بذل الأسباب، أما إذا أمكن رد الحق أو طلب المسامحة، فهو الواجب شرعًا.
إن أخطر ما في هذا الدعاء أنه يغيّر مفهوم التدين. فليس المتدين هو من يكثر النوافل فحسب، وإنما من يراجع حساباته مع الناس قبل أن يراجعها مع نفسه. ولذلك جاءت النصوص الشرعية مؤكدة أن حقوق العباد مبنية على المشاحّة، وأن المظالم تُقتص يوم القيامة بالحسنات والسيئات.
وفي زمن كثرت فيه الخصومات على مواقع التواصل، وسهلت الغيبة، والبهتان، والتشهير، والتنمر، والاعتداء على السمعة بضغطة زر، تبدو كلمات الإمام زين العابدين أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فهي تدعو الإنسان إلى أن يسأل نفسه قبل النوم: هل ظلمت أحدًا اليوم؟ هل جرحت إنسانًا بكلمة؟ هل اغتبت غائبًا؟ هل حملني التعصب أو الهوى على الجور؟
إنها ليست فقرة في دعاء، بل برنامج يومي لمحاسبة النفس، وتربية الضمير، وصناعة مجتمع يقوم على رد الحقوق، لا على تبرير الأخطاء. ومن فهم هذا الدعاء أدرك أن أقرب طريق إلى الله لا يمر فقط عبر السجود، بل يمر أيضًا عبر إنصاف الناس، ورد المظالم، وطلب العفو ممن أُسيء إليهم. فهذه هي العبادة التي تصنع إنسانًا يخاف الله في الخلوة، ويصون حقوق عباده في العلن.