مقتل 18 مهاجرا وإرسال الجيش.. سبتة تواجه أكبر موجة عبور منذ أزمة 2021
أعلنت السلطات الإسبانية مقتل 18 مهاجرا أثناء محاولتهم الوصول إلى جيب سبتة الإسباني المتاخم للمغرب، في وقت دفعت فيه موجة عبور غير مسبوقة خلال الأيام الأخيرة مدريد إلى نشر قوات من الجيش لدعم الحرس المدني، وسط إعلان السلطات المحلية دخول المدينة في "حالة طوارئ إنسانية واجتماعية".
وتعد هذه أكبر موجة عبور للمهاجرين إلى سبتة منذ أزمة مايو 2021، عندما دخل نحو 10 آلاف شخص إلى المدينة خلال يومين، في خضم أزمة دبلوماسية حادة بين مدريد والرباط.
وشهد يوم الخميس تدفق مئات المهاجرين نحو المدينة الإسبانية، بينما وصل أكثر من 1500 مهاجر خلال الأيام القليلة الماضية، معظمهم عن طريق البحر، في وقت أكدت فيه السلطات الإسبانية أن مراكز استقبال المهاجرين أصبحت مكتظة بالكامل ولم تعد قادرة على استيعاب مزيد من الوافدين.

مقتل 18 مهاجرا غير شرعي
أعلن متحدث باسم وزارة الداخلية الإسبانية عن مقتل 18 مهاجرا غير شرعي أثناء محاولتهم عبور الحدود من المغرب إلى مدينة سبتة، الجيب الإسباني في شمال أفريقيا.
وكان قد ذكر المتحدث باسم الحكومة الإسبانية إن السلطات انتشلت تسع جثث لمهاجرين لقوا مصرعهم أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة، موضحًا أن العديد منهم حاولوا بلوغ المدينة سباحة عبر البحر حول السياج الحدودي، فيما أشارت تقارير سابقة إلى سقوط ضحايا آخرين خلال محاولات العبور.
وأعلنت وزارة الداخلية الإسبانية، مساء الخميس، أن القوات المسلحة ستُرسل إلى سبتة لمساندة الحرس المدني في تنفيذ مهام حفظ الأمن وحماية الحدود، مؤكدة أن القرار جاء استجابة لتدهور الوضع الأمني في المدينة.
وأضافت الوزارة أن التعزيزات تشمل أيضًا إرسال سفن لخفر السواحل وفرق غوص للمشاركة في عمليات الإنقاذ والمراقبة البحرية.
وجاء القرار بعدما طالبت سلطات سبتة الحكومة المركزية في مدريد بإرسال تعزيزات عاجلة، معتبرة أن المدينة تواجه أزمة غير مسبوقة.
وقال رئيس حكومة سبتة الإقليمية، خوان خيسوس فيفاس، في تصريحات بثها التلفزيون الإسباني: "إننا نواجه حالة طوارئ إنسانية واجتماعية كاملة"، مشيرًا إلى أن مراكز الإيواء مكتظة بالكامل، وأن أعدادًا من المهاجرين باتت تقضي الليل في الشوارع.
كما دعا فيفاس الحكومة الإسبانية إلى إعلان حالة طوارئ وطنية لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ونشر مزيد من قوات الشرطة والجيش لضمان أمن الحدود.

"الحدود انهارت"
ووصف رشيد صبيحي، رئيس الجمعية الممثلة لضباط الحرس المدني في سبتة، الوضع بأنه "فوضى عارمة"، قائلا إن آلاف المهاجرين يعبرون الحدود، مضيفًا: "ليس من الممكن إعطاء أرقام دقيقة، لكن الحدود انهارت تمامًا".
في المقابل، وصف أشرف ميموني، عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في شمال المغرب، ما جرى بأنه "وضع استثنائي"، مشيرًا إلى أن معبر تاراخال الحدودي فُتح في ظروف غير معتادة، ما سمح بعبور أعداد كبيرة من الأشخاص.
وأظهرت مقاطع مصورة حشودًا كبيرة، معظمها من الشباب المغاربة، تسير عبر حواجز الأمواج المؤدية إلى شاطئ تاراخال، بينما ظهرت أيضًا عائلات تضم نساءً وأطفالًا صغارًا، وردد بعضهم هتافات مثل: "تحيا إسبانيا".
شائعات عن فتح الحدود
ورصد مراسل وكالة فرانس برس، مساء الخميس، مئات الأشخاص يتحركون شمال المغرب على الطرق المؤدية إلى سبتة، سيرًا على الأقدام أو على دراجات نارية أو في سيارات، في محاولة للوصول إلى المدينة.
وقال عدد من المهاجرين إنهم قدموا من مدن مغربية مختلفة، بينهم شاب من طنجة أوضح أنه سار عشرات الكيلومترات بعد انتشار شائعات تفيد بأن "الحدود فُتحت".
وكانت مدينة فنيدق الحدودية قد شهدت منذ مساء الأربعاء انتشارًا واسعًا لتلك الشائعات، ما دفع مئات الأشخاص إلى التوجه نحو الحدود، فيما حاول كثيرون الوصول إلى سبتة سباحةً عبر البحر.
كما دخل آخرون عبر المعبر الحدودي البري، وردد بعضهم هتافات: "وداعًا المغرب.. أهلًا إسبانيا".

تنسيق بين مدريد والرباط
وأكد مصدر مغربي رسمي أن السلطات المغربية والإسبانية أجرت اتصالات مكثفة عقب التطورات، واتفقت على تعزيز التنسيق الأمني واتخاذ إجراءات لإعادة جميع الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير قانونية في أسرع وقت ممكن.
كما أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن الحكومة المغربية تتعاون "بشكل مستمر وبحسن نية" مع مدريد، مشيرة إلى أن قوات الأمن المغربية تمنع أعدادًا كبيرة من الأشخاص من الوصول إلى الحدود.
من جانبه، قال رئيس المرصد الشمالي لحقوق الإنسان، محمد بنيسا، إن قوات الأمن المغربية فرضت طوقًا أمنيًا حول المعبر الحدودي، فيما أوقفت البحرية الملكية محاولات العبور عبر البحر، لكنه أشار إلى استمرار تدفق حشود كبيرة نحو مدينة فنيدق.
ولم تصدر السلطات المغربية أي تعليق رسمي حتى مساء الخميس، رغم تزامن الأحداث مع احتفالات عيد العرش التي ترأس خلالها الملك محمد السادس مراسم رسمية في مدينة المضيق، القريبة من المنطقة الحدودية.
سجال إسباني - إيطالي
وأثارت الأزمة ردود فعل سياسية واسعة داخل أوروبا، إذ دعا وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني إلى استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن، معتبرًا أن "الهجرة غير النظامية وغير المنضبطة تشكل خطرًا على الأمن القومي".
كما طالب نائب رئيس الوزراء الإيطالي وزعيم حزب الرابطة اليميني، ماتيو سالفيني، بتعليق العمل باتفاقية شنغن وتشديد حماية الحدود الأوروبية.
ورد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس على تلك التصريحات، واصفًا إياها بأنها "غير لائقة" وصادرة عن "دولة شريكة وصديقة كان يُفترض أن تبدي تضامنًا أوروبيًا بدلًا من الخطاب الشعبوي الحزبي"، معلنًا عزمه استدعاء السفير الإيطالي في مدريد.

انتقادات داخلية
وفي الداخل الإسباني، هاجم زعيم حزب الشعب المعارض ألبرتو نونيز فيخو تعامل حكومة بيدرو سانشيز مع الأزمة، معتبرًا أن البلاد تواجه "وضعًا لا يُطاق وأزمة أمن قومي".
في المقابل، أوضحت وزارة الداخلية الإسبانية أن القوانين الحالية لا تسمح بإعلان حالة طوارئ وطنية بسبب الهجرة فقط، مؤكدة أن مختلف مؤسسات الدولة تنسق للتعامل مع الوضع بسرعة وفعالية.
لماذا ارتفع عدد المهاجرين؟
ولا تزال أسباب الزيادة المفاجئة في أعداد الوافدين غير واضحة، وربطت سلطات سبتة الأزمة بحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في وقت سابق من يوليو، يقضي بعدم جواز إعادة المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة بحرًا فورًا إلى المغرب دون استكمال الإجراءات القانونية، بخلاف من يعبرون الحدود برًا.
لكن نشطاء في المغرب شككوا في أن يكون هذا الحكم هو الدافع الحقيقي، مؤكدين أن معظم المهاجرين لم يكونوا على علم بهذه التطورات القانونية.

أزمة تعيد ذكريات 2021
وأعادت المشاهد الحالية إلى الأذهان أزمة مايو 2021، عندما تدفق أكثر من 8 آلاف مهاجر إلى سبتة خلال يومين، بعد توتر دبلوماسي بين المغرب وإسبانيا على خلفية استقبال مدريد زعيم جبهة البوليساريو للعلاج.
وانتهت تلك الأزمة بعد إعلان إسبانيا عام 2022 دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء الغربية، وهو الموقف الذي أدى إلى تحسن العلاقات بين مدريد والرباط، رغم استمرار ملف الهجرة كأحد أكثر الملفات حساسية بين البلدين.
وتؤكد الحكومة الإسبانية أن زيارة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الأخيرة إلى الجزائر لم تؤثر في العلاقات مع المغرب، مشددة على استمرار التنسيق الوثيق مع الرباط لضبط الحدود وإدارة تدفقات الهجرة.



