عاجل

لم تكن الجريمةُ يوماً بنتَ لحظتها، ولم يبدأ الشر فورانه من لحظة حمل السلاح، ولا من ضغط الإصبع على الزناد، ولا حتى من إشعال النيران في حواضر الآمنين أو تفجير المساجد والكنائس؛ فهذه الفظائع المرئية ليست سوى الارتطام الأخير المدوّي في نهاية رحلة طويلة، غائرة في العمق، تبدأ في الفضاء الأكثر هدوءاً وعتمةً وخطورة: داخل سراديب الضمير الإنساني ذاته.
إن المأساة الحقيقية تولد حين يعيش الإنسان تحت وطأة " اليقين الزائف" ، حيث يتولى العقل المتطرف إعادة صياغة المفاهيم الأخلاقية وتلوينها وفق هواه . 
هناك، في كواليس الوعي الصامتة، يجري نزع الإنسانية عن المخالفين، وتُقترف عملية التسوّغ الفكري التي تقلب الموازين؛ فيُغدو القتل "تطهيراً مقدساً" ، ويصبح التدمير "بناءً للحق"، ويتحول الضمير من كونه رادعاً أخلاقياً يحمي الوجود إلى أداة تبرير تمنح القاتل شعوراً زائفاً بالفصاحة والفضيلة وهو يزهق الأرواح. 
فرصاصة الإرهاب لا تُصنع في المعامل، بل تُسكب أولاً كفكرةً مشوهة في ذهنٍ أعمته الأوهام عن رؤية النور !!

فالإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا وهو مقتنع بأنه شرير. 
إن في أعماقه قاضيًا لا ينام، وصوتًا لا يكف عن مساءلته، وحاجةً فطرية لأن يرى نفسه إنسانًا صالحًا، حتى وهو يرتكب أفدح الجرائم. 
لذلك كان السؤال الذي حيّر الفلاسفة وعلماء النفس عبر القرون ليس: كيف يرتكب الإنسان الشر؟ بل: كيف يقنع نفسه أن الشر خير، وأن الجريمة فضيلة، وأن الخيانة واجب؟
وهنا تحديداً، تشرعُ الفصولُ الأكثرُ ظلاماً في سيرةِ العقل المتطرف؛ فهو لا يقنعُ بمجردِ تخديرِ الضمير أو إسكاتِ صوته الفطري، بل يعمدُ إلى تفكيكه وإعادةِ صياغته من جديد. 
إنه لا يكتفي بالمسلك البراجماتي التقليدي الذي يبرر "الوسيلة بالغاية"، وإنما يذهبُ إلى أبعد من ذلك راديكالية: يعيدُ رسم خطَّ القاموسِ الأخلاقي البشري بأسره، ويقلبُ موازينَ القيمِ تزييفاً.
في هذا المختبر الفكري المشوه، تجري عمليةُ هندسةٍ لغوية وقيمية مرعبة؛ فتُميّع الرذيلةُ لتُبعثَ ك "فضيلةً مطهرة" ، وتُلبسُ الجريمةُ النكراءُ حُلة "الـبطولة الخالدة"، ويُستحضرُ الكذبُ الصراح بوصفه "حكمةً ودهاءً تكتيكياً"، وتُشرعَنُ الخيانةُ الوطنية والغدرُ بالآمنين لتُقدمَ كأرقى صور "التضحية والفداء". 
إنها سينوغرافيا عقلية متكاملة، لا يكتفي فيها القاتلُ بنحر ضحيته، بل ينحرُ قبلها دلالات الكلمات، ليحمي هدوءه الداخلي من لوثة الشعور بالذنب !! 
مختبر الوعي المشوّه: كيف يُصنع الضمير المتطرف "

يرى الفيلسوف الاسكتلندي ألاسدير ماكنتاير) 1929     (Alasdair MacIntyre، في كتابه " بعد الفضيلة: دراسة في النظرية الأخلاقية" 
(  After Virtue: A Study in Moral Theory  )
أن الأخلاق لا تنهار فجأة، بل تبدأ حين تُقتلع من مرجعيتها المشتركة، فتتحول من قيمٍ إنسانية عامة إلى أدوات تخدم إرادة جماعة أو أيديولوجيا متطرفة . 
عندها لا يعود السؤال: "هل هذا الفعل خير؟"، بل يصبح: "هل يخدم أهدافنا ؟" 
وهنا يكمن أخطر التحولات؛ فحين تصبح جماعة إرهابية هي المرجعية العليا، تتراجع الأخلاق أمام الولاء، ويصبح معيار الصواب والخطأ هو مصلحة التنظيم لا كرامة الإنسان.
ولهذا لا يشعر المتطرف بتناقض حين يرفع شعارات الفضيلة، ثم يستخدم وسائل تناقضها؛ لأنه لم يعد يقيس أفعاله بميزان الأخلاق، بل بميزان المنفعة التنظيمية ، وتتجلى هذا حين قامت جماعة الإخوان بنشر "فيديوهات " هايدي زيدان على نطاق واسع على ما بها من تعري وفحش ، وهي فعل لا يتناسب مع قيم الأديان لا سيما الإسلام !!  


هندسة الضمير: حين تُفصَّل الأخلاق على مقاس الغاية

اشتهرت العبارة المنسوبة إلى المفكر الإيطالي ميكيافيللي 
(Niccolò Machiavelli 1469-1527)
بأن "الغاية تبرر الوسيلة"، لكن العقل المتطرف يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو لا يبرر الوسيلة فحسب، بل يعيد تعريفها أخلاقيًا.
فالكذب لا يسمى كذبًا إذا خدم التمكين .
والتشهير لا يسمى ظلمًا إذا أصاب الخصم.
والتحريض لا يسمى فسادًا إذا أدى إلى التعبئة.
واستغلال أي مادة إعلامية صادمة أو مثيرة أو مستفزة لا يُنظر إليه باعتباره خروجًا على القيم والآداب العامة ، بل باعتباره "تكتيكًا مشروعًا" ما دام يحقق أثرًا سياسيًا أو إعلاميًا.
وهكذا تتحول الأخلاق من مبدأ ثابت إلى أداة متحركة، تدور حيث تدور المصلحة، وتختفي حيث تختفي الغاية.

هندسة الوهم الصامت: كيف يصنع المتطرف يقينه الزائف؟

يشرح الفيلسوف الفرنسي بول ريكور
(Paul Ricœur  1913 – 2005 )  

في كتابه الذات عينها كآخر
(Oneself as Another 1990 )  
أن الإنسان يعيش داخل قصة يرويها عن نفسه باستمرار. 
ومن خلال هذه القصة يصوغ هويته، ويبرر اختياراته، ويحافظ على صورته الداخلية.
ومن هنا لا يرى المتطرف نفسه مخادعًا أو معتديًا، بل بطلًا يؤدي رسالة، أو منقذًا يواجه "الشر"، أو صاحب تضحية يقدّم ما لا يجرؤ الآخرون على تقديمه.
إنه لا يغيّر أفعاله أولًا، بل يغيّر السردية التي يفسر بها أفعاله، حتى يصبح كل شيء منسجمًا مع الصورة التي رسمها لنفسه.
ولهذا كثيرًا ما نرى جماعات تتحدث باسم الفضيلة، بينما توظف في معاركها الإعلامية والسياسية كل ما يمكن أن يحقق التأثير، حتى لو ناقض خطابها الأخلاقي المعلن. 
فالهدف هنا ليس الاتساق مع القيم، وإنما تحقيق الغلبة في معركة الوعي، ولو كان الثمن هو هدم المعايير التي تزعم الدفاع عنها.

العقل الأخلاقي... أم العقل المبرِّر؟

يذهب عالم النفس الاجتماعي الأمريكي جوناثان هايدت
(Jonathan Haidt 1963) 
في كتابه العقل الأخلاقي: لماذا ينقسم الناس حول السياسة والدين؟
(The Righteous Mind: Why Good People Are Divided by Politics and Religion 2012 )    

إلى أن الإنسان لا يصدر أحكامه الأخلاقية بعد تفكير هادئ كما يظن، بل يصل إلى الانحياز أولًا، ثم يبدأ في البحث عن المبررات التي تؤيده.
العاطفة تقود 
والعقل يلحق بها ليكتب المذكرة القانونية.
ومن هنا يفهم لماذا يستطيع أفراد التنظيمات المتطرفة الدفاع عن مواقف متناقضة دون أن يشعروا بتناقض حقيقي؛ لأن عقولهم لا تبحث عن الحقيقة، بل عن التبرير.
فإذا اقتضت مصلحة الجماعة نشر خطاب ديني محافظ، فعلوا.
وإذا اقتضت استخدام خطاب صادم أو استفزازي أو مادة إعلامية تخالف ذلك الخطاب لتحقيق الانتشار أو التأثير، بحثوا له عن مبرر آخر.
إن الثابت الوحيد ليس القيمة والدين ، بل المصلحة.
لاهوتُ الوحشية: كيف يتعبّد المتطرف بالشر
                 
أما عالم الاجتماع البولندي البريطاني زيجمونت باومان
(Zygmunt Bauman 1925 – 2017 ) 
فقد قدم في كتابه " الحداثة والهولوكوست " 
(Modernity and the Holocaust 1989 ) 
فكرة بالغة العمق؛ إذ رأى أن أخطر الشرور لا يرتكبها أشخاص يعشقون الشر، بل أشخاص أقنعوا أنفسهم أنهم يؤدون واجبًا.
فالإنسان حين يفقد قدرته على مساءلة أوامر الجماعة، يصبح مستعدًا لفعل ما كان يرفضه بالأمس، لا لأنه تبدل فطريًا، بل لأنه أعاد تعريف الخير والواجب.
وهنا يتحول الضمير من حارس للأخلاق إلى موظف لدى الأيديولوجيا.
ويتحول الإنسان من صاحب قرار إلى منفذ يعتقد أنه معذور لأنه يخدم "التمكين "

الشر الذي يرتدي ثوب الفضيلة

ويضيف المفكر الفرنسي رينيه جيرار
(René Girard 1923 – 2015 )
أن الجماعات المغلقة تحتاج دائمًا إلى صناعة سردية أخلاقية تمنح أتباعها شعورًا بالنقاء، حتى وهي تمارس الإقصاء أو التحريض أو العنف. 
فكلما ازداد الشعور بأن القضية مقدسة، أصبح التضحية بالآخرين أسهل، لأنهم يُصوَّرون بوصفهم عقبة أمام الخلاص ، أو الخلافة ، أو الحاكمية .
وهنا يبلغ الوهم ذروته؛ إذ لا يعود الشر شرًا في نظر صاحبه، بل يتحول إلى فضيلة، ولا تعود الوسيلة موضع سؤال، لأن القداسة الممنوحة للغاية ابتلعت كل الأسئلة.
وهكذا ، فإن أخطر ما تفعله أوهام الحقيقة المطلقة أنها لا تُعلِّم الإنسان كيف يكره خصومه فحسب، بل تُعلِّمه كيف يُسكت ضميره. 
فحين تُصبح الغايةُ دينًا، وتُصبح الجماعةُ معيارًا، وتُصبح المصلحةُ أخلاقًا، يغدو الشرُّ فضيلةً في عين المتطرف ، والجريمةُ واجبًا يؤديه مطمئنَّ القلب. 
لذلك، فإن معركة الأوطان ليست فقط مع من يحمل السلاح، بل مع من يعيد تعريف الخير والشر في العقول؛ لأن الضمير إذا هُزم مرةً، انتصرت الرذيلة ألف مرة، وإذا انتصر الضمير... انتصرت الحقيقة، وانتصرت الإنسانية.
 

تم نسخ الرابط