في قاعة بدار الأوبرا المصرية، لم يكن الحديث خلال صالون "الشخصية المصرية" مجرد نقاش حول قضايا المرأة، بل تحول إلى شهادة حية على أن الإرادة قادرة على هزيمة الزمن، وأن العلم يظل بابًا مفتوحًا لمن يملك الإصرار على طرقه، مهما تأخر العمر أو تعاظمت العقبات.
الندوة التي حملت عنوان "المرأة والصمود" وجمعت نخبة من قادة الفكر والسياسة والأكاديميين، يتقدمهم الدكتور الأزهري وزير الأوقاف، لم تكتف بعرض رؤى نظرية حول مكانة المرأة، بل قدمت نموذجًا إنسانيًا جسد تلك المعاني في الواقع، عبر قصة الدكتورة آمال إسماعيل، التي أصبحت رحلتها عنوانًا لانتصار الإرادة على الظروف.
أدارت الندوة الدكتورة يسرا فاروق فلوكس، رئيس مجلس أمناء صالون "الشخصية المصرية"، بحوار اتسم بالهدوء والاتزان، ونجحت في الربط بين التجربة الإنسانية والطرح الأكاديمي والرؤية الوطنية، لتخرج الندوة بصورة عكست اهتمام الصالون بقضايا بناء الإنسان والحفاظ على الهوية المصرية.
وكانت قصة الدكتورة آمال إسماعيل محورًا استثنائيًا في اللقاء. فالسيدة التي حصلت على درجة الدكتوراه من كلية الآداب بجامعة المنصورة وهي في الثالثة والثمانين من عمرها، لم تبدأ رحلتها العلمية في ظروف ميسرة، بل اضطرتها الظروف الأسرية والزواج المبكر إلى ترك الدراسة وهي في الثانية عشرة من عمرها، في وقت كان كثيرون يظنون أن حلم التعليم قد انتهى إلى الأبد.
لكنها لم تؤمن بفكرة "قطار العمر الذي فات". وبعد سنوات طويلة، عادت إلى مقاعد الدراسة بإرادة لا تعرف الاستسلام، لتستكمل تعليمها خطوة بعد أخرى، في رحلة لم تكن أقل صعوبة من بدايتها.
ولم يكن انقطاع التعليم هو التحدي الوحيد. فقد واجهت المرض أيضًا، بعدما أصيبت بالسرطان في ريعان شبابها، ثم عاد المرض ليلاحقها مرة أخرى خلال مرحلة الدراسة الثانوية وهي في الثامنة والستين من عمرها. وبين المرض والعودة إلى الدراسة، اختارت المقاومة، حتى استطاعت أن تهزم المرض، ثم تواصل طريقها العلمي إلى أن حصلت على الماجستير، ثم الدكتوراه، لتصبح نموذجًا عمليًا يؤكد أن الإرادة لا تقاس بالسن، وإنما بقدرة الإنسان على النهوض كلما تعثر.
ولم تغفل الندوة دور الأسرة في هذه الرحلة. فقد حضر أبناء الدكتورة آمال، في مشهد حمل كثيرًا من الامتنان والوفاء، بينما جرى التأكيد على الدور الكبير الذي لعبته ابنتها، التي لم تكن مجرد مشجعة، بل كانت الدافع الحقيقي لاستكمال الدراسة بعد الحصول على الليسانس، لتتحول المساندة الأسرية إلى أحد أهم أسباب النجاح.
وأثمر هذا الدعم عن إنجاز علمي لافت، حيث ناقشت رسالة ماجستير بعنوان "أسلوب الحياة الاجتماعية والثقافية للفئات العمرية المتقدمة في ضوء قضايا النوع الاجتماعي"، ثم واصلت البحث العلمي حتى حصلت على الدكتوراه برسالة تناولت "الشيخوخة النشطة وعلاقتها ببعض المتغيرات السوسيولوجية"، لتؤكد أن اهتمامها العلمي ارتبط بقضايا المجتمع والإنسان، لا بمجرد الحصول على درجة أكاديمية.
ومن هذه التجربة انطلقت إحدى أهم رسائل الصالون، وهي أن الثقافة والوعي يمثلان خط الدفاع الأول عن المجتمع، وأن المرأة الواعية ليست فقط من تدير بيتها، بل من تسهم في تشكيل وعي أسرتها ومحيطها، وتغرس قيم التعلم والصمود في الأجيال الجديدة. فالمرأة المثقفة لا تكتفي بتلقي المعرفة، وإنما تتحول إلى صانعة للوعي وشريك في بناء المجتمع.
وفي كلمته، ربط الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، بين هذه النماذج الإنسانية وبين رؤية الدولة في الاستثمار في الإنسان، مؤكدًا أن المرأة المصرية كانت وستظل أحد أعمدة بناء الهوية الوطنية وصناعة الأمل، ومثمنًا رحلة الدكتورة آمال بإهدائها "مصحف مصر" تقديرًا لعزيمتها وإصرارها.
كما عكس الحضور المميز لواعظات وزارة الأوقاف جانبًا عمليًا من هذه الرؤية، باعتبارهن أحد وجوه العمل التوعوي والفكري في المجتمع، ودورهن في نشر الخطاب الديني المستنير وتعزيز الوعي، خاصة بين الشباب.
وشهدت الندوة أيضًا طرح عدد من الرؤى الفكرية المهمة. فقد أكد الدكتور أشرف الشيحي، رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، أن المجتمع يواجه تحديات تستهدف منظومة القيم والأخلاق داخل الأسرة المصرية، مشددًا على أن التثقيف والتنوير يمثلان الوسيلة الأساسية لحماية الوعي الوطني.
كما دعا الدكتور عمرو سليمان، الرئيس الشرفي وعضو مجلس الأمناء، إلى الحفاظ على الشخصية المصرية والتمسك بخصوصيتها الحضارية، محذرًا من محاولات تغييب الهوية أو إضعاف الانتماء الثقافي للمجتمع.