عاجل

لم يعد السؤال المطروح اليوم: متى تنتهي المواجهة الأمريكية–الإيرانية؟ بل أصبح: كيف سيُعاد تشكيل الشرق الأوسط بعد انتهائها؟ فالتسويات الكبرى تؤسس لنظام إقليمي جديد يعيد توزيع موازين القوة والنفوذ، ومن هنا تكتسب الزيارة الحالية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في يوليو 2026 أهمية؛ إذ تتجاوز تنسيق المواقف الثنائية لبحث ترتيبات أمنية وسياسية أوسع تشمل الملف الإيراني ومستقبل غزة وأمن الخليج وفرص توسيع مسار التطبيع. وقد أثبتت الحرب الراهنة أن تكلفة الحرب أصبحت أعلى من عائدها؛ حيث يضم الشرق الأوسط ما يقرب من 48% من احتياطيات النفط العالمية، ونحو 40% من احتياطيات الغاز الطبيعي، وينتج نحو ثلث تجارة النفط العالمية، ويعبر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% من تجارة النفط المنقولة بحرًا، بينما تمثل قناة السويس والبحر الأحمر أحد أهم شرايين التجارة الدولية، لذلك فإن أي تصعيد ينعكس فورًا على أسعار الطاقة والتأمين البحري وسلاسل الإمداد والتوريد العالمية ومعدلات التضخم العالمية، في حين أن أي تسوية تمنح الاقتصاد العالمي دفعة قوية نحو الاستقرار والنمو.

ولن يكون الشرق الأوسط بعد التسوية المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران كما كان قبلها، فالتاريخ يعلمنا أن الحروب لا تنتهي عند آخر طلقة، بل تبدأ بعدها معركة إعادة توزيع النفوذ وصياغة التحالفات ورسم خرائط الاقتصاد والأمن، واليوم تقف المنطقة عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تتحول إلى أحد أكبر مراكز النمو الاقتصادي في العالم، وإما أن تعود إلى دائرة الصراعات المزمنة إذا فشلت القوى الإقليمية والدولية في إدارة مرحلة ما بعد الحرب.

وإستراتيجيًا، تبدو الولايات المتحدة أكثر اقتناعًا بأن أولويتها الكبرى لم تعد الشرق الأوسط، وإنما المنافسة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومن ثم ستسعى إلى الحفاظ على وجود أمني مرن يضمن أمن إسرائيل وحرية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة مع تقليص الانخراط العسكري المباشر. وبخصوص إيران، إذا تم تخفيف العقوبات فستكون أمام فرصة لدمج اقتصادها في الأسواق الدولية، وزيادة صادرات الطاقة، وجذب الاستثمارات، وتحويل جزء أكبر من مواردها إلى التنمية بدلاً من الصراعات، سواء بشكل مباشر أم عن طريق وكلائها بالمنطقة.

وفي المقابل، ستواصل إسرائيل الحفاظ على تفوقها العسكري والتكنولوجي بالالتحاف بالغرب وخاصة الجانب الأمريكي، ولكن نجاح أي نظام إقليمي جديد سيظل مرتبطًا بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 باعتبارها القضية الرئيسية للعرب والمسلمين.

أما الدول العربية، فهي الطرف الأكثر قدرة على تحويل التهدئة إلى مشروع تنموي؛ حيث تمتلك مصر عناصر قوة فريدة ومتنوعة تجعلها محورًا رئيسيًا في مرحلة ما بعد الصراع، من موقعها الجغرافي وقوتها البشرية وقناة السويس وشبكة موانئها ومكانتها كمركز إقليمي للطاقة والغاز، إلى دورها الدبلوماسي في الوساطة وبناء التوافقات، كما يمكن للقاهرة قيادة مشروعات الربط اللوجستي والطاقة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا بما يعزز مكانتها في الاقتصاد العالمي.

وعلى المستوى الدولي، ستكون الصين من أكبر المستفيدين اقتصاديًا من أي استقرار؛ إذ ستوسع استثماراتها في الطاقة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، بينما سيعمل الاتحاد الأوروبي على تعزيز شراكاته في مجالات الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر وأمن البحر المتوسط، أما روسيا فستعمل على الحفاظ على حضورها السياسي والعسكري مع التركيز على حماية مصالحها الإستراتيجية في شرق المتوسط، وفي الوقت ذاته، ستواصل تركيا تعزيز حضورها باعتبارها قوة صناعية وعسكرية ولوجستية تربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

واقتصاديًا، قد تؤدي التسوية إلى تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية، واستقرار أسعار النفط، وانخفاض تكاليف النقل والتأمين، وتحسن تدفقات الاستثمار الأجنبي، وتعافي التجارة الدولية، وهو ما ينعكس إيجابًا على النمو العالمي ويخفف الضغوط التضخمية.

وعلى الجانب الآخر، سيدور التنافس القادم حول الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، والموانئ، والكابلات البحرية، والمعادن النادرة، والطاقة النظيفة، وسلاسل القيمة العالمية، وستصبح الدولة الأكثر قدرة على الابتكار وجذب الاستثمار وامتلاك البنية التحتية الحديثة هي الأكثر تأثيرًا.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام معادلة صعبة؛ فالدول التي ستقود المستقبل ليست الأكثر قدرة على خوض الحروب فقط، بل الأكثر قدرة على صناعة التنمية وجذب الاستثمار وامتلاك التكنولوجيا وبناء اقتصادات تنافسية، وإذا أحسنت الدول العربية -وفي مقدمتها مصر- استثمار هذه المواقف، فإنها لن تكون مجرد طرف يتأثر بالتحولات الدولية، بل شريكًا رئيسيًا في صياغة النظام الإقليمي والدولي الجديد، وتحويل المنطقة من بؤرة للأزمات إلى أحد أهم مراكز النمو والازدهار في العالم.

ويمكن تصور 3 سيناريوهات حتى عام 2035:

الأول: السلام التنموي، حيث تتحول التهدئة إلى شراكات اقتصادية واستثمارات كبيرة، وهو السيناريو الأكثر فائدة للجميع.

والثاني: السلام الهش، مع استمرار المنافسة السياسية والصراعات بالوكالة.

والثالث: فهو الانتكاسة الإستراتيجية، ويتمثل في انهيار التفاهمات والعودة إلى التصعيد العسكري، بما يهدد الاقتصاد العالمي ويعيد المنطقة إلى دوامة عدم الاستقرار.

إن مرحلة ما بعد التسوية قد تكون أكثر أهمية من التسوية نفسها؛ فالرهان الحقيقي لم يعد إدارة الأزمات، بل صناعة المصالح المشتركة، وتسريع التكامل الاقتصادي العربي، والاستثمار في التكنولوجيا ورأس المال البشري، وتحويل الشرق الأوسط من ساحة للصراعات إلى مركز عالمي للتجارة والطاقة والابتكار. ويعلمنا التاريخ أن الحروب لا تنتهي عند آخر طلقة، بل تبدأ بعدها معركة إعادة توزيع النفوذ والتحالفات.

تم نسخ الرابط