ضد المية والنووي.. صرصار آلى يعيش بدون اكسجين وينفذ مهمات معقد
تمكن باحثون من تطوير حشرات "سايبورغ" تسيطر أجهزة كمبيوتر صغيرة على أدمغتها، من الارتقاء بقدراتها خطوة أخرى إلى الأمام: حيث طوروا بدلة غوص مصغرة تتيح لهذه الصراصير العمل في المناطق المغمورة بالمياه أو الخالية من الأكسجين.
كشفت مجلة Nature Communications، أنه في عام 2018، حوصرت مجموعة من الفتية داخل كهف بشمال تايلاند أُغلق وغمر بمياه الأمطار الغزيرة، واستغرقت فرق غوص كبيرة أسبوعًا ونصف الأسبوع من البحث المتواصل حتى تمكنت من الوصول إليهم، بل وسقط أحد المنقذين قتيلًا خلال تلك العملية الصعبة.

ورغم أن تلك الحادثة جذبت انتباه وسائل الإعلام العالمية، إلا أنها لم تكن الحالة الوحيدة التي يُحاصر فيها أشخاص جراء الفيضانات؛ فقبل شهرين فقط، حُوصر عدد من المنقبين عن الذهب داخل كهف غمرته المياه في لاوس، وتم العثور عليهم وإجلاؤهم في عملية معقدة، ولكن في المستقبل القريب، قد يصبح تحديد موقع هؤلاء المحتجزين أسرع وأكثر أمانًا بكثير بفضل صراصير "السايبورغ" الغواصة.
هجين بين حشرة وروبرت
لم تعد حشرات "السايبورغ" مجرد خيال علمي. و"السايبورغ" (الدمج بين الكلمتين الإنجليزية "Cybernetic" و"Organism"، أي الكائنات السيبرانية، وهي حيوانات صُلت أجهزتها العصبية بحاسوب مصغر؛ حيث يتحكم هذا الحاسوب ببعض أفعالها، مما يتيح استغلال قدرتها العالية على الحركة وتحملها للظروف القاسية للوصول إلى أماكن يصعب الوصول إليها.
تتطور هذه التكنولوجيا بسرعة؛ وفي العام الماضي شاركت أولى صراصير "السايبورغ" المزودة بكاميرات وأجهزة استشعار في عمليات البحث عن نجاتين في أعقاب زلزال قوي ضرب ميانمار، وقبل أسابيع قليلة، أُعيد استخدام هذه الصراصير مجددًا للبحث عن مفقودين بعد الزلزال القوي الذي ضرب فنزويلا.
ورغم أن استخدامها لا يتم حتى الآن على نطاق واسع، إلا أنه مع التطورات الحديثة في تقنيات تصغير الأجهزة، إلى جانب الذكاء الاصطناعي الذي يتيح معالجة وإدارة كميات كبيرة من البيانات، يمكن بسهولة إنتاج أعداد هائلة من هذه الحشرات وإرسالها للبحث بين أنقاض المباني المنهارة في الزلازل أو في مواقع الكوارث الأخرى.
كما يمكن لحشرات السايبورغ المساهمة في مجالات الزراعة، والمراقبة البيئية، والتجسس، وغيرها.
وتقوم الفكرة الأساسية وراء الكائنات السيبرانية على استخدام شريحة حاسوبية للتحكم في سلوكيات معينة للحيوان، مع ترك المجال لقدراته الطبيعية لتنفيذ المهام الأخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن للمُشغّل أن يحدد للمخ الحشرة الوجهة التي يجب الوصول إليها، مع ترك الحرية لها لتختار بنفسها الطريق وتتجاوز العقبات باستخدام المهارات التي صقلتها مئات ملايين السنين من التطور.

وهذا تحديدًا ما يمنح كائنات "السايبورغ" الحية تفوقًا على الروبوتات الاصطناعية الكاملة؛ فالروبوتات وإن كانت أكثر قدرة على تحمل البيئات القاسية، إلا أن أداءها وقدراتها لا تزال بعيدة كل البعد عن كفاءة الكائنات الحية.
وتجرى معظم الأبحاث في هذا المجال على الحشرات بفضل تجمع عدة عوامل: قدرتها العالية على التحرك، وبساطة جهازها العصبي مقارنة بغيرها، فضلًا عن سهولة التعامل معها وغياب القيود الأخلاقية المطبقة على الثدييات.
وتشكل الصراصير الخيار الأمثل في أغلب هذه التجارب، كونها من بين أكبر الحشرات حجمًا وقدرة على حمل أوزان ثقيلة نسبيًا، إضافة إلى قدرتها على التسلل عبر الفتحات الضيقة والبقاء في أصعب الظروف، فالصراصير، على سبيل المثال، أكثر مقاومة للإشعاع من البشر، وهو ما أطلق الأسطورة الشائعة حول قدرتها على النجاة من الانفجارات النووية.
وفي حال وقوع حادث في محطة عالمية للطاقة النووية، يمكن إرسال صراصير السايبورغ لرسم خرائط للموقع والبحث عن نجاة، واستخدام البيانات للتعامل مع الأولويات ومعرفة ما إذا كان من الممكن إدخال فرق إنقاذ بشرية وما هي معدات الحماية المطلوبة.
منظومة صغيرة للعمل المتواصل
باتت هذه التقنية اليوم في متناول اليد، بل وأُجريت عليها تطبيقات عملية أولية عقب الزلازل، غير أن أحد القيود الرئيسية للصراصير هو أنها، كبقية الكائنات الحية، تستهلك الأكسجين، ولكونها كائنات برية، فإنها تحصل عليه من الهواء فقط، ولا تستطيع العمل لفترات طويلة تحت الماء.
ولمواجهة هذا التحدي، صمم فريق بحثي من جامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة (NTU) - وهو الفريق نفسه الذي طور صراصير السايبورغ المستخدمة في ميانمار - بدلة غوص مزودة بنظام لإمداد الأكسجين تحت إشراف الباحث هيروتاكا ساتو (Sato)، وتسمح هذه البدلة لصرصور السايبورغ بالبقاء والعمل تحت الماء لمدة تصل إلى ثلاث ساعات.
وبخلاف البشر، لا تتنفس الحشرات عبر الفم، ولا تمتلك جهازًا تنفسيًا مغلقًا؛ بل يدخل الهواء إلى أجسامها عبر سلسلة من الفتحات على جانبي الجسد يطلق على كل منها اسم "المتنفس" (Spiracle)، وتتصل بكل فتحة أنابيب تمتد داخل الجسد وتتفرع إلى أنابيب أصغر فأصغر حتى تصل إلى سمك يسمح بتبادل الغازات مع الخلايا، حيث تمدها بالأكسجين وتطرد ثاني أكسيد الكربون.
ولا تملك الحشرات عملية تنفس إيجابية مسحوبة، بل يعتمد تدفق الغازات كليًا على الانتشار الطبيعي من المناطق ذات التركيز العالي إلى المناطق ذات التركيز المنخفض.
ولضمان تزويد الصرصور بالأكسجين، قام الباحثون بطباعة بدلة بلاستيكية ثلاثية الأبعاد تتصل عبر أربعة أنابيب دقيقة بفتحات التنفس الأربع الموجودة على جانبي صدر الصرصور.
وأكد الباحثون أنه يمكن سحب هذه الأنابيب دون إلحاق أي ألم أو ضرر بالحشرة، وتتكون منظومة إنتاج الأكسجين من طبقة إسفنجية مشبعة بثاني أكسيد المنجنيز (MnO_2)، الذي يعمل كمحفز لتفكيك بيروكسيد الهيدروجين (H_2O_2) إلى أكسجين (O_2) وماء (H_2O)، ولبدء إنتاج الأكسجين، حقن الباحثون قطرات قليلة من بيروكسيد الهيدروجين في خزان صغير، ثم أغلقوا فتحة الحقن بواسطة ومضة قصيرة من الأشعة فوق البنفسجية.
وحول هذا التحدي، قال شينجيرو أوميزو (Umezu) من جامعة واسيدا اليابانية، المشارك في التطوير: "كان التحدي الهندسي الرئيسي يكمن في بناء منظومة صغيرة وخفيفة ومرنة بدرجة كافية ليرتديها الصرصور، وتكون في الوقت نفسه قادرة على إنتاج كمية كافية من الأكسجين للنشاط الممتد تحت الماء".
الثقب دائم الحركة في بيئة خالية من الأكسجين
استخدم الباحثون في سنغافورة خلال هذه الدراسة، كما في أبحاث سابقة، صرصور مدغشقر المدوي (Gromphadorhina portentos)، وتتميز هذه الصراصير بحجمها الكبير الذي يسمح لها بتحمل الوزن الإضافي للكمبيوتر وبدلة الغوص، كما أنها تفتقر إلى الأجنحة، مما يسهل تثبيت المعدات على ظهورها.
وبفضل نظام الأكسجين هذا، تحولت الصراصير عمليًا إلى كائنات برمائية قادرة على العمل في الماء وعلى اليابسة على حد سواء، ولأن الصراصير تطفو بسهولة على سطح الماء بفضل وزنها الخفيف والغلاف الدهني الذي يغطي أجسامها، أضاف الباحثون ثقلًا معدنيًا بزنة 5 جرامات إلى بدلة الغوص، لتمكين الصرصور من مواصلة المشي على القاع أثناء وجوده داخل الماء.
وأفاد الباحثون بأن صراصير السايبورغ نجحت في العمل تحت الماء لمدة تصل إلى ثلاث ساعات، ونفذت مهامًا معقدة مثل المرور عبر أنفاق ضيقة ومتعرجة، والصعود والهبوط على منحدرات تصل زاويتها إلى 30 درجة.
ولم يقتصر اختبار أداء الصراصير على البيئة المائية فحسب، بل شمل أيضًا وضعها في خزان يحتوي على ثاني أكسيد الكربون فقط (CO_2) دون أكسجين، وسجلت نجاحًا وأداءً عاليين.
ولا تقتصر فائدة صراصير السايبورغ القادرة على العمل في البيئات الفقيرة بالأكسجين على تحديد موقع الضحايا في مناطق الكوارث فحسب، بل تمتد لتشمل أعمالًا أخرى متنوعة، مثل المراقبة الدورية لشبكات المياه والصرف الصحي، والبحث عن الانسدادات أو التسريبات.
وأشار الباحثون في مجلتهم إلى أن النجاح المحقق مع هذه الصراصير سيفتح الباب لتطوير أنظمة مماثلة لحشرات سايبورغ أخرى قادرة على العمل في بيئات خالية من الأكسجين، مثل أنواع أخرى من الصراصير، والخنافس، والجراد؛ وهو ما سيطلب طبعًا تعديلات تتناسب مع البنية التشريحية لكل حشرة وحجمها وظائفها الحركية الأخرى كالطيران.
واختتم رئيس الفريق البحثي، هيروتاكا ساتو من جامعة NTU، بقوله: "يمكن أن تكون مواقع الكوارث بيئات شديدة الصعوبة بعد الفيضانات أو السيول، حيث تغمر المياه طرق الوصول أو تسدها الردميات والأنقاض. ونحن على ثقة بأن توسيع قدرات صراصير السايبورغ لتشمل العمل تحت الماء سيساهم بشكل مباشر في تطوير وترقية جهود الإنقاذ والإغاثة".